يروى أن
الأمين علي حسن
السيف أصدق
أبو تمام في قصيدته المشهورة:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ
في مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
وأبو تمام هنا يخبرنا أن السلاح أصدق من التفاوض والكتب والتنجيم والخداع وغيره.
فالسلاح يختصر الطريق إلى تحقيق السلام، هكذا قالوا وكل سلام لا يحميه السلاح القوي هو فاشل أو معرض للفشل.
من أقدار الله علينا أن تبدأ المؤامرة علينا بعد تخطيط وتدبير ومكر كبير في أعظم شهور السنة رمضان الكريم وكان المخطط أن تحسم بساعات أو تكون أشبه بالضربة القاضية، استطاعت القوات المسلحة امتصاص الصدمة الأولى وبدأت تخطط لكسب المعركة من خلال مجموع النقاط الكلية.
تمددت المليشيا في الخرطوم وعدد من الولايات حتى ظن داعموها أنهم كسبوا المعركة، وبدأ التفاوض في منبر جدة والناس بين مؤيد ورافض وتم التوقيع على بعض النقاط وكانت رؤية داعمي المليشيا أن المعركة ستحسم قبل البدء في تنفيذ مقررات جدة لذلك وقع وفد المليشيا دون حتى مراجعته.
ولكن سرعان ما تراجعت المليشيا عما تم التوقيع عليه واجتهدت في توسيع انتشارها لكي توهم الناس أن تأثيرها أقوى ولكن الملاحظ أن قادة الجيش كانوا ينظرون للأمر بطريقة مختلفة وهم واثقون أن النصر آت لا محالة.
تجلت هذه الثقة في جلسة للقائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع بعض الإعلاميين بعد سقوط سنجة بيوم واحد حين قال: (إني أرى تحقيق النصر أمامي كجلوسكم هذا وأن الذي يحدث في سنجة وولاية سنار زوبعة ساي).. حينها سخر الناس من مفردة زوبعة وهاجت الوسائط ومازالت المليشيا والداعمين لها يرون أنهم لتحقيق النصر أقرب حتى أن الناطق الرسمي باسم تحالف “تقدم” الحليف السياسي للمليشيا (بكري الجاك) قال في حوار تلفزيوني (يجب على الجيش الاستسلام كما استسلمت اليابان من قبل وهذا ليس عيباً)- على حد تعبيره.
بدأ الأمريكان أحد اطراف الوساطة بالتنصل عن منبر جدة والتزامات المليشيا فيه بل حاولوا خلق منبر بديل للتفاوض في جنيف ولكن كان موقف القوات المسلحة قوياً حيث رفضت التفاوض في جنيف أو إجراء أي تعديل على مخرجات جدة دون التنفيذ.
مارس الأمريكان ضغوطاً ونفاقاً رهيباً بضرورة إجراء تفاوض جديد في جنيف، وكان الحديث في الدوائر الضيقة يدور حول التغييرات الميدانية التي حدثت بعد توقيع منبر جدة حيث كانت ترى أمريكا أن هذه التغييرات جعلت موقف المليشيا أقوى وبالتالي هذا التغيير في الميدان يتطلب أن يصحبه تغيير في المواقف وبالتالي ضرورة إجراء تفاوض جديد وفق مجريات التغيير الميداني إضافة لأغراض أخرى تتعلق بالأمريكان وبعض الحلفاء يسعون لتحقيقها من خلال جنيف ظهرت من طريقة الدعوة ومن إدخال وسطاء جدد وغيرها من الأشياء المعروفة.
الغريب أن الأمريكان حاولوا حينها تبني رؤية الخصم بأن السودان غير آمن بل طالب المبعوث الأمريكي بمقابلة البرهان في مطار بورتسودان نسبة لانعدام الأمن حسب رؤيتهم وهي بالتأكيد سردية لها مدلولات ومعانٍ بالنسبة لهم وللرأي العام الخارجي ولكن تمسكت حكومة السودان بمواقفها وواجهت الضغوط بصلابة تحسد عليها، وكانت القوات المسلحة تعد العدة سراً للانقضاض على المليشيا ومشروعها الذي يهدف إلى تمزيق السودان وتغيير هويته واستطاعت في أيام قلائل وبعد توفيق الله من تغيير أعطاها الغلبة والتأثير وانقضت على المليشيا في مناطق كثيرة وهزمتها شر هزيمة ومازالت المعركة مستمرة ومازالت الثقة كبيرة بأن الحق منتصر لا محالة.
مع هذه الانتصارات حدثت كثير من المتغيرات على المستوى الدبلوماسي حيث وصفت الأمم المتحدة في بيان رسمي الدعم السريع بأنها مليشيا وكذلك مصر أكبر دول القارة الأفريقية تأثيراً ومنظمة العالم الإسلامي وغيرها من الجهات.
حضر وزير خارجية جيبوتي ممثلاً للإيغاد، مشيداً بانتصارات الجيش، وواصفاً الدعم السريع بالمليشيا المتمردة بل طالب بضرورة عودة السودان للإيغاد.
تراجعت الولايات المتحدة عن موقفها المتعنت وأعلنت أن مبعوثها جاهز لمقابلة البرهان في بورتسودان المدينة وليس المطار.
تراجع الخطاب السياسي لحلفاء المليشيا من أحزاب “تقدم” وبدأ خطاب أقل حدة وتطرفاً من سابقه.
تم كل هذا ومازالت مدني لم تعد وسنجة في الأسر ونيالا والضعين والجنينة وزالنجي والفولة كلها غائبة عن حضن الوطن، ولكن كلما عادت واحدة منهن أصبح الوطن أقوى وفرص المؤامرة أقل..
وهكذا يتحقق قول أبو تمام السيف أصدق.