وزير المعادن نور الدائم طه في حديث الصراحة لـ«الكرامة»:
ظللت أتعرّض لمحاولات إغتيال الشخصية منذ سنوات طويلة
عودة الحكومة للعمل من قلب الخرطوم رسالة لهؤلاء (….)
“70” طنّاً إنتاج السودان من الذهب خلال 2025م
(….) هذه أسباب الفجوة الكبيرة بين الذهب المنتج والمصدّر
تفاهمات مع رجال أعمال سعوديين لتسهيل صادر الذهب للمملكة
وضعنا خطة لتطويق أسواق التعدين ومنع التهريب
تلقينا وعوداً جادة من شركات عالمية للاستثمار في التعدين
شكّلنا لجنة خبراء لوضع رؤية متكاملة لإنشاء بنك الذهب
حوار: محمد جمال قندول
يعمل وزير المعادن نور الدائم طه في صمت رغم السهام التي تنتاشه بين الحين والآخر بالشائعات ولكنه لا يميل إلى إكثار الأحاديث بقدر ما ينشغل بالأفعال.
نور الدائم جلس لـ«الكرامة» في حوار كان التطواف فيه على جُملة من الشواغل حول تجربته وعمله بحقيبة المعادن وغيرها وتطوّرات وتحدّيات التعدين، أدناه التفاصيل:
بدايةً، ما تعليقكم على عودة مؤسسات الدولة والحكومة الاتحادية إلى العاصمة الخرطوم؟
عودة الحكومة للعمل من قلب الخرطوم خطوة محورية في مسار استعادة الدولة وهيبتها، وترسيخ الاستقرار والسلام ،وهي رسالة لمن يستهدف السودان وشعبه بأن الدولة السودانية باقية، وإنّ شعبها هو المنتصر. وكذلك هي رسالة للمشفقين بأن الدولة تتعافى من الخراب والدمار الذي لحق بها جراء الهجوم الإرهابي من الميليشيا وداعميها السياسيين والدول الراعية. وهي تعني أن الخرطوم ستظل عصيةً على محاولات التركيع وهي تعود اليوم أقوى مما كانت عليه بعظمة وتضحيات الشعب السوداني العظيم.
بالأرقام كم بلغ إنتاج الذهب خلال العام المنصرم؟
رغم التحدّيات والظروف الاستثنائية، بلغ إنتاج السودان من الذهب خلال العام المنصرم ما يزيد عن السبعين طناً، والشركة السودانية للموارد المعدنية نشرت تقريرها، وهو رقم يعكس حقيقة راسخة مفادها أن الشعب السوداني شعب منتج ومكافح.
وقد تمظهرت هذه الإنتاجية العالية بوضوح في قطاع التعدين التقليدي غير المنظّم، الذي ظل لعقود العمود الفقري لإنتاج الذهب في البلاد، وهو ما نعمل اليوم على تنظيمه والاستفادة منه بصورة أفضل وتقديم الخدمات والإرشادات والتثقيف التعديني لتفادي المخاطر الناتجة عن عمليات التعدين التقليدي.
والسودان اليوم الدولة الأولى عربياً في إنتاج الذهب والثالثة أفريقياً، والآن الدولة تبذل مجهودات جبّارة عبر أذرع الوزارة المختلفة للإحاطة بالمنتج وتنويعها ومكافحة التهريب والتهرب، وهنا لا يفوتني أن أُثني على المجهودات الكبيرة من الشركة السودانية، وهيئة الأبحاث الجيولوجية، والأجهزة الأمنية، وشرطة المعادن، وشركة “سودامين” على المجهودات الكبيرة في ظل ظروف أمنية وسياسية واقتصادية معقّدة والحمد لله بدأنا في إجراءات استخدام التكنولوجيا المتقدّمة في جميع مراحل التعدين ومراقبة الأسواق ومكافحة التهريب.
هناك حديث عن فجوة كبيرة بين الذهب المنتج والذهب المصدر رسمياً ما الحلول من وجهة نظركم؟
هذه حقيقة، والفجوة نتاج لسنوات طويلة من غياب الاستراتيجيات الواضحة وضعف التنظيم والرقابة.
لأول مرة، وضعت وزارة المعادن استراتيجية متكاملة للفترة 2026–2030، مستفيدة من تجارب دول رائدة في مجال التعدين مثل جنوب أفريقيا وغانا نسعى من خلالها لتحويل مربعات التعدين إلى أصول قابلة للتمويل (Bankable Assets) بما يرفع نصيب الحكومة ويتيح إمكانية استخدام هذه المربعات كضمانات تمويلية.
ووضعنا سياسات مشجّعة ومحفّزة للتصدير وذلك من خلال زيادة عائدات الصادر وتنويعها بدخول السلعة الضرورية ومنع الاحتكار الذي كان يمارس عبر المحفظة مع خفض الكمية للمصدرين من “١٠” كيلوجرام إلى “٥” كيلوجرام وإحكام السيطرة على المنتج من المنبع وحتى التصدير، ونهدف من خلال هذه السياسات لإعادة بناء قطاع التعدين على أسس اقتصادية ومؤسسية سليمة.
التعدين الأهلي ظل يشكّل هاجساً مع اتساع رقعته، هل من إجراءات لتنظيمه؟
نحن ننظر إلى التعدين الأهلي باعتباره ملحمة وطنية تعبّر عن عظمة الشعب وإرادة للإنتاج في ظل الظروف القاسية، وهو شعب فريد ومكافح كما ذكرت، ولكن هذا النوع من التعدين بحاجة لتنظيم وتقنين حتى يستفيد منه الجميع، لذلك بدأنا في تنظيم التعدين التقليدي وتحويله من عشوائي إلى تعدين منظّم، عبر التصديق لهم بشركات وتنظيمهم في مجموعات وجمعيات ومنحهم مربعات تعدين صغيرة ، كما نسعى من خلال خطتنا إلى تقديم الدعم الفني وتقانة الإنتاج الحديثة، وهذه ستضيف لهم الفوائد الربحية بشكل أفضل وتساعد الدولة على الإحاطة بالمنتج والمحافظة على البيئة، وهذا النهج يتماشى مع التطوّرات الحديثة التي تؤكد أن دمج المجتمعات المحلية في سلاسل القيمة التعدينية هو النهج السليم لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ووضعنا خطة لتطويق أسواق التعدين بأسوار منظمة تمنع تسريب مخلفات التعدين أو خروج الذهب خارج القنوات الرسمية، وسنستخدم التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي.
حدثنا عن زيارتكم إلى الرياض والاتفاقيات مع السعودية في سياق الذهب؟
زيارتنا إلى المملكة العربية السعودية جاءت في إطار التوجّه الاستراتيجي للوزارة للاستفادة من التجارب الإقليمية الرائدة وبناء شراكات حقيقية. لقد شاركنا مؤخراً في مؤتمر التعدين الدولي السنوي الخامس بالرياض ،وهو منصة عالمية مهمة لتبادل الخبرات والتجارب في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتقنيات الحديثة في صناعة التعدين.
ومن خلال المؤتمر، قمنا بالترويج للإمكانات المعدنية الكبيرة التي يزخر بها السودان، وتلقينا وعوداً جادة من شركات عالمية للاستثمار في قطاع التعدين، ووقعنا عددًا من التفاهمات مع رجال أعمال سعوديين واتفقنا على اتخاذ إجراءات من الطرفين لتسهيل صادر الذهب إلى أسواق المملكة.
كما تم توقيع مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية – الذراع الفني للوزارة – والمعهد التقني للتعدين السعودي في مجالات التدريب التقني والمهني، بما يسهم في تأهيل الكوادر السودانية المتخصصة في البحث والاستكشاف والإنتاج، ولأن بناء الكوادر والتعليم التقني يمثل جزءًا مهمًا في نجاح التعدين.
زرتم روسيا قبل أشهر، إلى أين وصلت نتائج تلك الزيارة؟
زيارة روسيا جاءت في إطار رؤية الدولة لتنويع الشراكات وعدم الاعتماد على سوق واحد، وقد خرجنا من الزيارة بتفاهمات كبيرة في مجالات التدريب والتطوير المستمر، بجانب شراكات فنية تقوم على نقل المعرفة والتقانات الحديثة، وبناء قدرات وطنية مستدامة تُسهم في تحقيق نهضة تعدينية شاملة من أجل مصلحة الشعبين.
ما هي خطتكم على المدى البعيد للقفز بإنتاج الذهب؟
خطتنا بعيدة المدى تقوم على الانتقال من التعدين غير المنظّم إلى التعدين المنظّم ثم التعدين الصناعي، وتنويع المعادن.. نحن لا نراهن على الذهب لوحده، لذلك تنفيذ استراتيجية 2026–2030، تركّز على المعادن الاستراتيجية، والمعادن الصناعية، ومعادن الطاقة، وستعيد زمام المبادرة إلى الدولة. وسنعزّز الاهتمام بالتعدين المنظّم (مربعات الامتياز) لتعزيز الإنتاج، والتوسع في المعادن الصناعية، ومعادن الطاقة، والعناصر الأرضية النادرة، كما شكّلنا لجنة من خبراء اقتصاديين وفنيين لوضع رؤية متكاملة لإنشاء بنك الذهب وفتح منافذ متعددة لصادرات الذهب مع دول مختلفة، لتفادي تجربة السوق الواحد وما ترتب عليها سابقاً.
وهدفنا إدخال الذهب ضمن منظومة الاقتصاد الكلي وتحويله إلى مورد سيادي مستقر وبناء قطاع تعدين وفق رؤية واضحة تواكب التحولات العالمية ويسهم في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
نور الدائم طه يتعرض للشائعات بين الحين والآخر، هل يمكن القول إنك مستهدف؟ ومن يستهدفك؟
دائما في فترات التحوّل والإصلاح، تصبح الشائعات أمراً متوقعاً، ولكنني لا أتعامل مع الشائعات كاستهداف شخصي، بل كجزء من مقاومة التغيير ، وما يهمني هو العمل بشفافية وخدمة وطننا وتحقيق تطلّعات شعبنا العظيم، والتاريخ وحده كفيل بالحكم، ولدي تجارب كثيرة وكبيرة مع محاولات اغتيال الشخصية في فترات نضال امتدت لأكثر من عشرين عاماً، ونحن نستمد قوتنا وعزيمتنا من شعبنا وتضحيات ونضالات شهدائنا الأماجد، ويكفي أنني أشكّل حضوراً في عقول أعدائي وخصومي، وهذا يعني أنني فاعل وليس خاملاً، ودائماً سوف أسعى لأشغلهم وأهزمهم بالنجاحات.
* نقلاً عن صحيفة (الكرامة)