سودانيون

استهداف الطائرة السعودية،، جريمة مكتملة الأركان..

تعرَّضت لصاروخ من الميليشيا في مدرج المغادرة،،

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

كشفت زيارة ميدانية أجراها وفد من الصحفيين والإعلاميين السودانيين إلى مطار الخرطوم الدولي، مؤخراً، عن حجم الدمار الذي طال طائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية من طراز (بوينغ 777)، كانت تقل على متنها (345) راكباً سودانياً، وتعرضت للاستهداف في الساعات الأولى لاندلاع الحرب صباح السبت 15 أبريل 2023م، أثناء وجودها على مدرج المغادرة استعداداً للإقلاع، وتباينت الروايات الرسمية بشأن مصير ركاب الطائرة، ففي الوقت الذي أكد فيه مدير مطار الخرطوم الدولي، اللواء مبارك عثمان، أن صاروخاً أطلقته ميليشيا الدعم السريع أصاب الطائرة وأودى بحياة معظم ركابها، نفى المساعد السابق للمدير العام لشركة مطارات السودان المحدودة، بشير عبد الرحمن بشير، صحة هذه الرواية، مقدماً تفاصيل مغايرة لما جرى داخل المطار في ذلك اليوم الدامي.

تباين في السرديات حول مصير (345) راكباً سودانياً كانوا على متن الطائرة..

خسائر مليارية:

وخلال الجولة، التي نُظمت لصحفيين وإعلاميين سودانيين إلى مطار الخرطوم الدولي، وقف الصحفيون على حجم الخسائر الهائلة التي تكبدها مطار الخرطوم الدولي، حيث تم تدمير أكثر من (30) طائرة، معظمها يتبع لشركات طيران سودانية، قُدرت قيمتها بنحو ثلاثة مليارات دولار، وفقاً لتصريحات المدير السابق للطيران المدني، الذي أكد أن إدارات المطار وشركات الطيران كانت منتظمة في سداد أقساط التأمين، ما يضع شركات التأمين أمام التزام قانوني مباشر لتعويض هذه الخسائر.

تدمير أكثر من (30) طائرة، معظمها سودانية، بخسائر بلغت 3 مليار دولار..

كشف المستور:

وأزاحت جولة الصحفيين الستار لأول مرة عن حادثة استهداف الطائرة السعودية، في ظل تعتيم وغموض لازما القضية منذ اندلاع الحرب، وبحسب إفادات مدير المطار، اللواء مبارك عثمان، فإن الطائرة السعودية تحركت نحو مدرج الإقلاع في صباح الخامس عشر من أبريل، قبل أن تتعرض لإصابة مباشرة بصاروخ أطلقته ميليشيا الدعم السريع، ما أدى إلى مقتل معظم ركابها البالغ عددهم (345) شخصاً، وأشار عثمان إلى أن جثث ورفاة الضحايا ظلت عالقة تحت حطام الطائرة لما يقارب ثلاث سنوات، في ظل استحالة الوصول إلى الموقع بسبب سيطرة الميليشيا، إلى أن تمكنت السلطات عقب تحرير الخرطوم من اتخاذ حزمة إجراءات شملت استدعاء أطباء ووكلاء نيابة، وجمع الرفاة ودفنها في مقابر فاروق بالخرطوم، مع الاحتفاظ بكافة البيانات لتمكين ذوي الضحايا من الوصول إليها لاحقاً، ولا يزال حطام الطائرة السعودية رابضاً في موقعه داخل المطار، دون أن يُتخذ قرار بإزالته حتى الآن، في مشهد وصفه مراقبون بأنه شاهد مادي صامت على وحشية الميليشيا وانتهاكها الصارخ لحرمة المرافق المدنية والطائرات والركاب.

الحادثة فضحت مخطط الميليشيا باستهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية..

شهادة من قلب الحدث:

في مقابل رواية مدير مطار الخرطوم، قدّم المساعد السابق للمدير العام لشركة مطارات السودان المحدودة، بشير عبد الرحمن بشير، شهادة تفصيلية مكتوبة، قال إنها تمثل الحقيقة الكاملة لما جرى للطائرة السعودية، مستنداً إلى اتصالات مباشرة أجراها في لحظات الحدث مع مدير صالة المغادرة ومدير المطار آنذاك، ووفقاً لبشير، فإن الأحداث بدأت في صبيحة السبت 15 أبريل 2023م، حين أُبلغ بدخول عناصر من ميليشيا الدعم السريع إلى موقف الطائرات عبر بوابة صالة الحج والعمرة، مع سماع كثيف لإطلاق النار، وأكد أن الطائرة السعودية، الرحلة رقم (SV458)، تعرضت لإطلاق نار أثناء استعدادها للمغادرة، ما أدى إلى إخلاء الركاب فوراً، وأشار بشير إلى أن الطائرة كانت تقف في الموقف المقابل لصالة الوصول، وقد أصابت إحدى الطلقات الجزء الخلفي منها، ما أدى إلى مقتل راكبين (رجل وامرأة) في المقاعد الخلفية، قبل أن يُعلن كابتن الطائرة حالة الطوارئ ويتم فتح مخارج الإخلاء، وخلال عملية الإجلاء، أصيبت امرأة أخرى إصابة بالغة أدت إلى بتر ساقها، ونُقلت إلى المستشفى لكنها فارقت الحياة لاحقاً متأثرة بالنزيف، وأوضح بشير أن بقية الركاب تم إجلاؤهم إلى صالة الوصول، حيث قُدمت لهم الإسعافات الأولية، فيما جرى تأمين طاقم الطائرة المكون من (17) شخصاً بالتنسيق مع السفارة السعودية، وتم ترحيلهم لاحقاً خارج البلاد ضمن عمليات إجلاء البعثات الدبلوماسية، وأكد أن الطائرة تعرضت لاحقاً لإصابة أخرى أدت إلى تدميرها بالكامل، بعد إخلاء جميع الركاب، مشدداً على أن ما عدا هذه الرواية محض افتراء وتضليل للرأي العام، على حد تعبيره، وتتطابق شهادة بشير، في جانبها الأساسي، مع بيان الخطوط الجوية السعودية الصادر في اليوم نفسه، والذي أكد تعرض إحدى طائراتها لإطلاق نار قبل الإقلاع من مطار الخرطوم، وتعليق جميع الرحلات من وإلى السودان حتى إشعار آخر.

سقوط الأقنعة:

وبغض النظر عن التباين في أعداد الضحايا، فإن استهداف طائرة ركاب مدنية داخل مرفق مدني، في الساعات الأولى لاندلاع الحرب، يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز حدود الحادثة نفسها، فالطائرة لم تكن هدفاً عسكرياً، ولم يكن على متنها مقاتلون أو عتاد حربي، بل مدنيون سودانيون عزّل، ما يجعل الواقعة جريمة حرب مكتملة الأركان، وانتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني، وتكشف الحادثة، مبكراً، زيف الشعارات التي رفعتها قيادة ميليشيا الدعم السريع عن (الديمقراطية ومحاربة فلول النظام السابق)، إذ إن أولى رصاصات الحرب وُجهت إلى المدنيين، وإلى رمز سيادي ومرفق حيوي للدولة، ويرى محللون أن استهداف الطائرة يعكس طبيعة المشروع الحقيقي للميليشيا، القائم على نشر الرعب، وكسر إرادة المجتمع، وتهيئة الأرضية لعمليات تهجير واسعة، تمهيداً لإعادة تشكيل البنية السكانية والديمغرافية وفق منطق القوة والسلاح.

خاتمة مهمة:

على كلٍّ.. تبقى حادثة استهداف الطائرة السعودية بمطار الخرطوم واحدة من أخطر وأبشع الجرائم التي ارتُكبت في فجر الحرب، ليس فقط لما خلفته من ضحايا، بل لما تمثله من تجاوز متعمد لكل الخطوط الحمراء
ومهما تباينت الأرقام والروايات، فإن الحقيقة الجوهرية ثابتة: ميليشيا الدعم السريع استهدفت عمداً طائرة مدنية وركاباً مدنيين، في رسالة دموية مبكرة عن طبيعة الحرب وأهدافها، وهي جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تجاوزها في أي مسار للعدالة أو المصالحة، لأنها تمس جوهر الحق في الحياة، وتختصر مأساة وطن دفع، ولا يزال يدفع، ثمناً باهظاً لمغامرة السلاح والفوضى.

* نقلاً عن صحيفة (الكرامة)

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.