محمد الحسن محمد نور يكتب: الترامبية والسلم العالمي.. الكرّ والفرّ في نهج الرئيس ترامب: ما كلفته على النظام الدولي؟
محمد الحسن محمد نور يكتب: الترامبية والسلم العالمي.. الكرّ والفرّ في نهج الرئيس ترامب: ما كلفته على النظام الدولي؟
لم يعد خافيًا أن سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السياسة الخارجية ليس مجرد سلسلة مواقف متقلبة أو ردود أفعال ظرفية، كما يُروَّج له أحيانًا. فالمتتبع للوقائع المتتابعة يلحظ بوضوح نهجًا متماسكًا، وأهدافًا محددة، وإن اتخذت أشكالًا متناقضة في ظاهرها.
أما الأهداف، فهي تدور أساسًا حول السيطرة على موارد الطاقة العالمية، وفي القلب منها النفط الإيراني والفنزويلي.
وأما النهج، فهو قائم بوضوح على سياسة الكرّ والفرّ: توظيف القوة كأداة للضغط والاستعراض، مع تجاهل صريح للقانون الدولي ومؤسساته.
بدأ ترامب مشواره بـ«الكرّ» على السعودية، مهددًا ومبتزًا بقوله الشهير: «هم أغنياء جدًا، ونحن نحميهم، ولن يصمدوا دون حمايتنا». ثم ما لبث أن «فرّ» ليعود راقصًا معهم رقصتهم الشعبية، معلنًا: «لسنا هنا لإعطاء دروس، بل لبناء شراكة». مشاهد تتكرر، وتكشف أن التناقض ليس ارتباكًا، بل أداة.
بعد ذلك، ينتقل سريعًا إلى استخدام القوة العارية: في غزة، ثم في التهديد المفتوح لإيران، دون تردد في فتح جبهة الكاريبي.
وهنا تبرز واقعة اعتقال– أو اختطاف– الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كنقطة تحول مفصلية. عملية جرت خارج أي تفويض أممي، ورافقتها لغة أمريكية رسمية اتسمت بالزهو والافتخار بالقدرة على تحدي العالم أجمع. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل تجاوزه إلى تهديدات علنية لرؤساء ودول أخرى، وكأن الرسالة المقصودة هي: لا قيود بعد اليوم.
هذا السلوك لا يهدد خصوم الولايات المتحدة فحسب، بل يقوض الأساس الذي قام عليه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
فميثاق الأمم المتحدة، الذي وُلد عام 1945 من رحم كلفة إنسانية غير مسبوقة، صُمم تحديدًا لمنع الاحتكام المنفرد للقوة أو التهديد بها خارج إطار الشرعية الجماعية. الخطر الحقيقي بدأ حين تصرف رأس الهرم الدولي وكأنه غير معني بهذه القيود أصلًا.
إن التباهي بالفعل العسكري خارج إطار القانون الدولي، خصوصًا حين يصدر عن الولايات المتحدة، لا يقول للعالم إن «القاعدة كُسرت» فحسب، بل يقول إن هذا السلوك نموذج قابل للتكرار. وهو ما يجعله قدوة خطيرة لقوى كبرى أخرى يُشتبه في توافقها مع هذا النهج.
فماذا يعني ذلك عمليًا؟
يعني، في تقديري، أننا نشهد بداية تفكك فعلي للنظام الدولي الحالي، وعودة صريحة إلى منطق الإمبراطوريات:
الولايات المتحدة تُحكم قبضتها على النصف الغربي من العالم،
تليها «قيصرية» القيصر الروسي الذي يحتفظ بالاسم تمهيدًا لضم أوكرانيا،
بينما لن تحتاج الصين– على الأرجح– إلى عمل عسكري مباشر للسيطرة على تايوان وإعلان إمبراطورية الشرق الأقصى.
ولم تكن فنزويلا حادثة معزولة. ففي ملف جرينلاند، عاد خطاب الاستحواذ القسري، وكأن أوروبا وحلف الناتو أصبحا في خبر كان. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن عقلية الترهيب هذه قد توقظ أوروبا من سباتها الاستراتيجي.
أما في التعامل مع إيران، فقد طغت لغة التهديد العاري المباشر، دون مواربة أو أقنعة دبلوماسية.
اختلاف الساحات لا يغيّر من وحدة السلوك. فالمشترك بين فنزويلا وجرينلاند وإيران هو الأطماع في موارد الطاقة، مهما اختلفت الجغرافيا وتباينت الشعارات.
في هذا السياق، يصبح ميثاق الأمم المتحدة هو الخاسر الأكبر. فالوثيقة التي صيغت لمنع تكرار كوارث القرن العشرين تُفرَّغ من مضمونها حين يُقدَّم خرقها بوصفه إنجازًا سياسيًا. والمشكلة لا تكمن في أن تُنتهك القاعدة، فقد حدث ذلك مرارًا، بل في أن تتحول المخالفة إلى سلوك مُطبّع، صادر عن الدولة التي كانت أحد أبرز مهندسي النظام الدولي نفسه.
تقويض الميثاق من الأعلى أخطر من أي تحدٍّ يأتي من الأطراف الهامشية. فإذا كانت الدولة الأقوى في العالم لا ترى نفسها معنية بضوابط الشرعية الدولية، فما الذي يدفع الآخرين لاحترامها؟ عند هذه النقطة، لا يصبح العالم أكثر أمنًا، بل أكثر فوضى، حيث تُستبدل القواعد المتفق عليها بمنطق القوة العارية، ويُفتح الباب أمام سباق تهديد لا تحكمه حدود.
ما يدفع العالم ثمنه اليوم هو العودة إلى عصر الإمبراطوريات، وعودة قانون الغاب، مع خسارة منظمة الأمم المتحدة وميثاقها على يد من يُفترض أنهم حُماته. وما بعد ذلك، لا أحد يستطيع التنبؤ بمآلاته.
6 يناير 2026