سودانيون

الدكتور امين حسن عمر ..يكتب.. السنغال هل إنتصر المطبعون مع الغرب؟؟

شكّل قرار الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي في بإقالة رئيس وزرائه عثمان سونكو وحل الحكومة فصلاً تاريخياً متوقعاً لإنهاء واحدة من أشهر الثنائيات السياسية في أفريقيا؛ إذ تحولت الشراكة التي بدأت برفيقي نضال وسجن ضد النظام السابق إلى “صراع نفوذ ” داخل أروقة قصر الرئاسة بداكار.

وجاءت هذه النهاية بعد أشهر من الرسائل العلنية المتبادلة والتوترات المكتومة، وتعود إلى أسباب بنيوية واقتصادية دقيقة، ولها تداعيات واسعة النطاق، فقد ​تداخلت العوامل السياسية والاقتصادية والشخصية لتجعل استمرار هذه الثنائية أمراً مستحيلاً،
لم يكن من الصعب التكهن بنهاية الأمور على هذه الشاكلة ف​منذ فوز باسيرو فاي بالرئاسة في مارس 2024، كانت هناك معضلة دستورية وحزبية واضحة؛ ففاي هو الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطياً وصاحب الصلاحيات الدستورية الكاملة،

بيد أن سونكو هو الزعيم الروحي والمؤسس لحزب “باستيف” ، وهو من منح فاي تذكرة العبور للرئاسة بعد استبعاده شخصياً من السباق قضائياً. هذا الوضع خلق “رأسين للسلطة”، حيث شعر سونكو الذي كلف برئاسة الوزارة بتضييق شديد في صلاحيات الحكومة، واشتكى علناً من “غياب السلطة المناسبة” له لإدارة الحكومة وتعيين الكفاءات.

ثم جاءت الخلافات على الملفات وأولها الملف الإقتصادي فقد ​واجهت السنغال أزمة ديون خانقة وضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة بسبب سياسات سنكو الرافضة للتبعية لفرنسا أو ضغوط صندوق النقد الدولي ،و تبنى سنكو خطاً تحرريا صارماً يرفض شروط صندوق النقد الدولي ويرفض إعادة هيكلة الديون بالطرق التقليدية، مدفوعاً بنهجه السيادي الوطني المناهض للمؤسسات الغربية.
ولاعجب أن مال الرئيس فاي إلى يقولون عنه أنه يميل إلى الواقعية السياسية والمرونة التكنوقراطية في التعامل مع الشركاء الدوليين وصندوق النقد لتأمين حزم الإنقاذ المالي للبلاد، وهذا التضارب في التوجهات خلق تضارباً في الإشارات الاقتصادية الموجهة للأسواق الدولية.

وتحول الخلاف حول إقتسام الصلاحيات والإختلاف على السياسات الى صراع محموم ، ​فبدأت المعركة الباكرة على خلافة الرئاسة في 2029 تلوح في الأفق (خاصة بعد فتح الطريق قانونياً لسونكو للترشح مستقبلاً). الرئيس فاي بادر بإجراءات لإعادة التموضع، و منها إقالة السيدة المقربة من سونكو (عايدة مبوج) من تنسيقية الائتلاف الرئاسي وتعيين رئيسة الوزراء السابقة أميناتا توري مكانها لضبط الولاءات لصالح مؤسسة الرئاسة، وهو ما رفضه سونكو علناً في تجمعاته الشعبية، مهدداً في مارس 2026 بسحب حزبه من الحكومة إذا انحرف الرئيس عن رؤية الحزب.

​وبسبب الصراع يواجه الحزب الحاكم خطر التصدع بين جناح “شرعية مؤسسة الدولة” الموالي للرئيس فاي وجناح “الشرعية الوطنية الثورية ” الموالي لسونكو، وهو ما حذر منه فاي نفسه قبل الإقالة بأسابيع حين قال إن الحزب يواجه خطر الانهيار إذا إستمرت الانقسامات.
بعد قرار عزل سنكو سيتعين على الرئيس فاي تشكيل ما يسمى حكومة تكنوقراط أوحكومة تحالف والبحث عن حلفاء جدد داخل البرلمان لتأمين الأغلبية، بينما يعود عثمان سونكو إلى موقعه الطبيعي “مُعارضاً” أو مناضلاً من خطوط الحزب الخلفية، حيث علّق فور إقالته قائلاً: “الحمد لله.. سأنام الليلة بقلبٍ مطمئن في حي كير جورجي”.
لكن ما تجب الإشارة إليه فإن سونكو يحوز على قاعدة شعبية جارفة من (جيل زد) وفي أوساط الشباب السنغالي عامة المحبط اقتصادياً؛ وخروج سنكو من السلطة قد يحوّل دفة الاحتجاجات الطلابية والعمالية (مثل تلك التي شهدتها جامعة الشيخ أنتا ديوب بدكار) ضد الرئيس فاي مباشرة، مما يضع استقرار البلاد المحك.

​من المعلوم أن السنغال تحظى بأهمية محورية بصفتها واحدة من أطول الديمقراطيات استقراراً في غرب أفريقيا، وإنهاء هذه الشراكة سيترك أثراً واضحاً على سياستها الخارجية ،فغربياً يُنظر إلى إزاحة سونكو (صاحب الخطاب الوطني المناهض لفرنسا والغرب) على أنها خطوة من الرئيس فاي لتقديم السنغال بوصفها دولة إعتدال ومسايرة مما سوف يسرع بالمفاوضات المالية مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة.

أما إقليميا وأفريقيا فقد كان سونكو يدفع باتجاه نهج تحرري لعموم أفريقيا يحاكي جزئياً الأنظمة الجديدة الخارجة على نفوذ فرنسا في منطقة الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو). بوخروجه، يرجح أن تلتزم الدبلوماسية السنغالية تحت قيادة فاي بنهج أكثر تماهيا مع فرنسا وأكثر وهدوءاً مع الغرب ومؤسساته، مع الحفاظ على دور داكار التقليدي كوسيط إقليمي مفضل لأوروبا وفرنسا في منظمة “إيكواس” (ECOWAS).

و​حكاية سونكو وفاي أثبتت أن “صناعة الثورة ” تختلف تماماً عن “إدارة الدولة”؛ وأن التغيير يستلزم صبرا وأن الغرب سيظل ممسكا بسياسة فرق تسود وأن الثنائيات القيادية في الأنظمة الرئاسية غالباً ما تنتهي لصالح من يمتلك الختم الدستوري النهائي داخل القصر.
د. أمين حسن عمر

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.