خارج النص
*عدت أمس الي جبال النوبة التي حُرمنا منها لثلاثة سنوات عجاف مرّت ليلة ودمع الشوق هميلة لأرض لله واستخلف فيها إنسان جبال النوبة بتنوعه وصبره وثباته وحبه لكراكير الجبال وعمق الأودية والخيران والصيف الجاف ومطر الرشاش، وفي هذه الأيام الغيم والمطر وكانت رحلة العودة للجبال تعتريها المشقة والرهق وإهدار الوقت بعد أن سطا لصوص الديمقراطية على سياراتي التي كانت تشق الأرض وتطوي المسافات ولكن بدأت رحلتي من أم درمان السوق الشعبي عبر البص ابوقرون الذي تكدّست فيه ثلاثة “دستة” من البشر في الممرات وأصبح البص يحمل في جوفه “٥٠” مقعداً ومضاف اليهم ثلاثين آخرين ونقص الأكسجين داخل البص وتصبّب الناس عرقاً وسائق البص يقف في كل محطة من السوق الشعبي أم درمان وحتي جبل أولياء استغرقت الرحلة ثلاثة ساعات استجدنا فيها بشرطة المرور السريع لإنقاذ الركاب ولكن ضابط المرور السريع اكتفي فقط بدعوة سائق البص الذي رافقه ثلاثة من النظاميين من أصدقائه ممن يستأنسون وحشته فعاد السائق ضاحكا علينا وحينها أيقنت إننا في بلد رزئت برزايا بعدد الحصى.
*توقف البص عند مقهى وحيد بمنطقة الكوة حيث لاخيار أمام الركاب إلا تناول وجبة الإفطار مع أداء صلاة الظهر وصحن الفول بخمسة الف جنيه وكوب آلشاي بالف جنيه، وبين كل عشرة كيلومترات يتوقف البص ويهرول مساعد السائق الي راكوبة بها عسكري شرطة أو عسكري بملابس مدنية ويعود وبعد قليل يتوقف البص وأحياناً يمكث مساعد البص خمسة دقائق ومع حلول الساعة الرابعة وصلنا لتندلتي لتبدأ رحلة مابين ثلاثة ولايات حيث تتشابك النيل الأبيض مع شمال كردفان وجنوب كردفان والسائق الذي يقود العربة اللاندكروز يشق عتامير الرمال متجها جنوب نحو محلية التضامن وعاصمتها مدينة الترتر حيث تتلاقح مكونات السودان في تلك الأرض التي تجمع عرب الأحامدة البديرية والجوامعة والجمع وأولاد حميد الكواهلة وكنانه المسيرية الذين لم “يتجنجودون” بعد وآثروا العيش الكريم مع عشيرتهم الاقربين.
*وعبرنا السكة حديد التي قرّبت المسافات كما يقول دكتور عبدالله علي ابراهيم في مسرحية شهيرة لكن طبعاً السكة حديد التي تمتد من بورتسودان حتى نيالا ومن بابنوسة حتى واو عاصمة إقليم بحر الغزال الذي كان انتهت السكة حديد وفكك أشاوس الدعم السريع القضبان الحديدية وتم بيعها حديد خُردة في نيالا وفي الضعين وشحن بعضها لجنوب السودان من أجل القضاء على اخر آثار دولة ٥٦ في دولة العطاوة ،وبعد مغيب الشمس توقف السائق في منطقة كرمل وعبدالله أحمد إبراهيم الذي يشتهر في جنوب كردفان بعبدالله بنك كما نناديه وهو أول مدير لبنك النيلين بعمامته الأنصارية وهو حزب أمة ملتزم ولكنه يبغض الجنجويد كما يبغضهم جميع أهل البديرية وهم ضحايا لهولاء( الثوار) وحدثت الأخ المعلم والمربي الكبير عبدالقادر كباشي عن منطقة كرمل التي كانت تمثل أكبر المقاهي لسيول اللاوري القادمة من كوستي ومتجه الي جبال النوبة وأعالي النيل وجنوب دارفور وحتي بانقي عاصمة أفريقيا الوسطى وفيها تُعرَض اللحوم المشوية على الجمر ولبن أبقار الأحامدة وكنانه وشاي اللبن والعناقريب المتناثرة في الفضاء لا حرامي ولانهّاب ولا نصّاب.
*ومن غير احساس بتغيّر المناخ ولا الأرض ولا الناس تجاوزنا النيل الأبيض عند قرية الكدايس ودخلنا جبال النوبة ومقصدنا ثلاثة مناطق هي الحفير وأم الخيرات وأم جداد وكل هذه الأسماء مستحدثة في زمن التأصيل الحضاري، لأنها في السابق تسمى (المشوطنات) ولست متيقناً هل كان الشيطان يطوف بجبال الترتر والعباسية القريبة جداً من تلك المنطقة يهبط ليلاً ويمرح في تلك الأرض التي أصبحت من أكثر مناطق الزراعة الألية انتاجاً للعيش البشيل الكرميش.
*في أم الخيرات سهرت مع أهل القرية حدثونا عن الماضي والحاضر ومن المفارقات لأول مرة أجد قوماً لايشكون من نقص ولا يعتبرون أنفسهم مهمشين، بواقعهم قانعين مئات الشباب يتسكٍعون في سوق القرية من غير أي مظهر سلاح حتى السلاح الأبيض ، ومن نعم الله على أهل تلك المنطقة أن شبابهم يمضون شهوراً في مناجم الذهب ويعودون بمال وفير وينثرون الأفراح بزواج الحسان لايعرفون التمرّد ويموت الشاب بالملاريا لا بالدانة والمسيّرات مثلما حصدت آلة الموت شباب ولايات أخرى ولنا عودة.