سودانيون

ميليشيا الجنجويد.. تضييق الخناق

الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على "5" من قادتها

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

لم تعد أسماء قادة مليشيا الدعم السريع تتحرّك في فضاء الإفلات من العقاب كما في السابق، فمع اتساع رقعة الجرائم وتراكم الأدلة، بدأت دوائر القرار الدولي تُضيِّق الخناق، ولو بخطى بطيئة، وفي هذا السياق، تأتي العقوبات التي أعلن عنها مجلس الاتحاد الأوروبي في حق خمسة من قيادات الميليشيا، في مقدمتهم الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ”أبو لولو” أو “سفاح الفاشر”، إلى جانب القوني حمدان دقلو، شقيق قائد الدعم، السريع محمد حمدان دقلو، في خطوة وُصفت بالمتأخرة زمنياً، لكنها تحمل دلالات سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها.

العقوبات تضمّنت إجراءات تقييدية وتجميد أصول وحظر سفر

إشارات لكسر الإفلات

وشملت العقوبات الأوروبية إجراءات تقييدية تمثّلت في تجميد الأصول، وحظر السفر، ومنع التعاملات المالية، بحق شخصيات وُصفت بأنها لعبت أدواراً مباشرة في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، أو في تغذية آلة الحرب، ويأتي إدراج اسم “أبو لولو” والقوني حمدان دقلو ضمن القائمة ليؤشر إلى تحوّل نسبي في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه الحرب في السودان، بعد أشهر من الانتقادات التي طالت موقفه المتسم بالحذر والحياد المفرط.

العقل الاقتصادي للميليشيا

ويعتبر القوني حمدان دقلو، شقيق قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، العقل الاقتصادي للميليشيا، وأحد الأعمدة الخفية التي استندت عليها المتمردون في إدارة اقتصاد الحرب، ففي أكتوبر 2024م فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عليه عقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098، لقيادته جهود توريد الأسلحة والمواد العسكرية لمواصلة القتال في السودان، ونص القرار الأمريكي على حظر جميع ممتلكات القوني ومصالحه الموجودة في الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أمريكيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية.

سفاح الفاشر

أما الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ(أبو لولو)، فقد شقّ طريقه من عتمة الهامش إلى صدارة المشهد مع اقتراب سقوط مدينة الفاشر، قبل أن يتحوّل سريعاً إلى أيقونة للرعب الممنهج، ووفقاً لمقاطع مصوّرة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، ظهر وهو ينفذ عمليات إعدام ميدانية بحق أسرى، في مشاهد صادمة أشعلت موجة غضب عارمة محلياً وإقليمياً ودولياً، وبهذه الأفعال، اقترن اسم (أبو لولو) بجرائم القتل بدم بارد، ليثبت في الذاكرة الجمعية بلقب (سفاح الفاشر)، عنواناً لعنفٍ تجاوز حدود المكان وخلخل الضمير الإنساني.

محاولات إماراتية فاشلة لإجهاض  العقوبات

محاولات لإجهاض العقوبات

وبحسب مصادر مطلعة، فإن أطرافاً إقليمية راعية للميليشيا، في مقدّمتها دولة الإمارات، بذلت محاولات مكثفة لاستثناء بعض الأسماء من قائمة العقوبات الأوروبية، وعلى رأسها القوني حمدان دقلو، إلا أن تلك المساعي باءت بالفشل، وشهدت مداولات داخل البرلمان الأوروبي دعوات صريحة لإدانة الدولة الراعية للمليشيا، مع تصاعد الأصوات المطالبة بإدراج مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، وقطع أي تعامل اقتصادي أو سياسي معها، ويعكس هذا التطور تحولاً في الموقف الأوروبي، باتجاه موقف أكثر وضوحاً في رفض أي كيانات موازية للدولة السودانية، أو مساعٍ تمس وحدة السودان وسيادته، مع التأكيد على الاعتراف بالحكومة الشرعية في الخرطوم.

حياد أوروبي مرتبك

وعلى الرغم هذه الخطوة، لا يزال موقف الاتحاد الأوروبي محكوماً بإعلانه المتكرر للحياد تجاه الصراع، وهو ما انعكس في محاولات إظهار نوع من «التوازن» عند فرض الإجراءات التقييدية، عبر إدراج أسماء أو كيانات غير تابعة للدعم السريع، على نهج ما ظهر في العقوبات الأخيرة بإدراج اسم المصباح طلحة قائد كتائب البراء، وقد أثار هذا النهج انتقادات واسعة، لا سيما أن بعض الأسماء الواردة في القرارات هم مدنيون لبّوا نداء الاستنفار للدفاع عن النفس والممتلكات في مواجهة اعتداءات الميليشيا، الأمر الذي أضعف من وضوح الرسالة السياسية والأخلاقية للعقوبات.

السفير كبير: إجراءات مستحقة لمن ارتكبوا مجازِر بحق الشعب

إجراءات مستحقة

ويرى سفير السودان لدى بلجيكا، ومندوبه الدائم بالاتحاد الأوروبي ببروكسل، السفير عبد الباقي حمدان كبير، أن العقوبات التي فرضها مجلس الاتحاد الأوروبي على عدد من قادة مليشيا الدعم السريع، من بينهم (أبو لولو) والقوني حمدان دقلو، تمثل خطوة متأخرة لكنها مستحقة بحق من ارتكبوا جرائم جسيمة في مواجهة الشعب السوداني، وقال السفير في إفادته لـ(الكرامة) إن هذه العقوبات جاءت نتيجة توثيق واسع للانتهاكات التي ارتكبتها الميليشيا، خاصة الجرائم التي شهدتها مدينة الفاشر مؤخراً، مؤكداً أن سجل الدعم السريع في ارتكاب الانتهاكات ممتد منذ تمرده في عام 2023، وأن كثيراً من الجرائم وثّقها عناصر الميليشيا أنفسهم، إلى جانب إفادات المواطنين المتضرّرين، منوهاً إلى أن القوني يتحمّل مسؤولية مباشرة في تأجيج الصراع عبر أدواره الاقتصادية وتوفير السلاح، ما جعله أحد الأعمدة الرئيسة للهيكل الاقتصادي للميليشيا، لافتاً إلى أن إدراجه في قائمة العقوبات يحد من حركة الدعم السريع ورعاتها، ويقوّض قدرتها على الالتفاف اقتصادياً

قناعة أوروبية متنامية بخطأ توصيف حرب السودان

قناعة أوروبية متنامية

وكشف سفير السودان لدى بلجيكا، ومندوبه الدائم بالاتحاد الأوروبي ببروكسل، السفير عبد الباقي كبير عن وجود قناعة متنامية داخل الأوساط الأوروبية بأن التوصيف السابق لطبيعة الصراع في السودان لم يكن دقيقاً، وأن هناك إدراكاً متزايداً بأن ما يجري هو تمرّد غير مشروع لقوات مساندة خرجت عن الدولة وارتكبت فظائع بحق المدنيين، وأن مليشيا الدعم السريع غير مؤهّلة أخلاقياً أو سياسياً ليكون جزءاً من حكم السودان، منوهاً إلى الانتصارات الأخيرة للقوات المسلحة والقوات المساندة، لا سيّما في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، وقال إن هذه الانتصارات تؤكد اقتراب نهاية الميليشيا، مشدداً على أن ما تعرض له السودان لم يكن استهدافاً للحكومة فحسب، بل اعتداءً مباشراً على الدولة والمجتمع.

خاتمة مهمة

ومهما يكن من أمر.. فإن العقوبات الأوروبية المفروضة على قادة ميليشيا الدعم السريع، ورغم تأخّرها، إلا أنها تكشف عن تصدّع في جدار الصمت الدولي، لكنها تظل خطوة ناقصة ما لم تُستكمل برؤية واضحة تُسمّي الأشياء بأسمائها، وتفصل بين الضحية والجلاد دون مواربة، فالحرب في السودان لم تعد مجرّد صراع مسلح، بل اختبار أخلاقي للنظام الدولي، ومعياراً لمدى قدرته على حماية المدنيين ومحاسبة من حوّلوا العنف إلى عرض مصوّر، وبينما تضيء العقوبات أسماء مثل (القوني) و(أبو لولو)، فإن المعركة الحقيقية تظل في تحويل هذه الرمزية إلى مسار عدالة مكتمل، يُنهي ثقافة الإفلات من العقاب، ويعيد للسودان حقه في دولة لا تُدار بالبندقية، ولا تُختزل في وجوه الرعب.

* نقلاً عن صحيفة (الكرامة)

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.