سودانيون

مناطق سيطرة الميليشيا،، الارتزاق بالعنف..

تشهد فوضى عارمة وحالات متصاعدة من الانفلات الأمني،،

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

تشهد مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور حالة متصاعدة من الفوضى والانفلات الأمني، وسط تقارير متواترة عن تورط عناصر من الميليشيا في تنفيذ عمليات اختطاف واسعة، طالت مرتزقة أجانب، بينهم كولومبيون، إضافة إلى بعض العاملين في المنظمات الإنسانية، قبل مساومتهم على دفع فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم، وبحسب مصادر محلية، فإن عمليات الاختطاف لم تعد حوادث معزولة، بل تحولت إلى نمط متكرر، ما يشير إلى انتقال الميليشيا أو مجموعات تابعة لها من توظيف المرتزقة في العمليات القتالية، إلى التعامل معهم كسلعة للابتزاز المالي، في ظل حالة من التفكك التنظيمي وغياب القيادة الميدانية الفاعلة.

اختطاف الكولمبيين وعمال الإغاثة يتحول إلى تجارة في ظل غياب القيادة..

تآكل بنية الجنجويد:

وبإجماع مراقبين فإن هذه الممارسات تعكس درجة التآكل التي أصابت بنية ميليشيا الدعم السريع، التي فقدت البوصلة، وانكشف هراء ما ظلت تدعيه من مشروع لحماية الديمقراطية ومحاربة الحركة الإسلامية والكيزان وفلول النظام السابق، أو حتى ما روَّجت له لاحقاً تحت فرية ما اسمته (القضاء على دولة 1956م)، فقد المناطق التي تخضع إلى سيطرة ميليشيا الدعم السريع موبوءة بفوضى شاملة تضرب بأطنابها في جميع المفاصل، حيث باتت السيطرة على الأرض مصحوبة بانفلات كامل للسلاح وتغليب منطق الغنيمة، بما يحوّل مناطق النفوذ إلى بيئة طاردة حتى للحلفاء والمرتزقة، ويكشف عن عجز الميليشيا عن ضبط عناصرها أو إدارة تحالفاتها العسكرية.

دلالات خطيرة:

وتحمل خطوة اختطاف المرتزقة الأجانب، خصوصاً الكولومبيين، دلالات بالغة الخطورة، إذ تكشف عن انهيار الثقة داخل المنظومة التي تعتمد عليها ميليشيا الدعم السريع في تعويض نقصها البشري والمهني، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال الأشهر الماضية، ويرى مراقبون أن استهداف المرتزقة أنفسهم يشكل رسالة سلبية لأي مقاتلين أجانب محتملين، مفادها أن الانضمام إلى صفوف الميليشيا لا يوفر ضمانات أمنية أو مالية آمنة، بل قد ينتهي بالاختطاف أو القتل أو الابتزاز، الأمر الذي يُتوقع أن يسهم في عزوف المرتزقة عن التدفق إلى السودان أو المشاركة في القتال إلى جانب الدعم السريع، وأما على صعيد العمل الإنساني، فإن اختطاف موظفي المنظمات يُنذر بتداعيات إنسانية خطيرة، إذ يدفع المنظمات الدولية إلى تقليص أنشطتها أو الانسحاب الكامل من مناطق سيطرة الميليشيا، ما يفاقم معاناة المدنيين ويعمّق العزلة الدولية المفروضة على تلك المناطق.

استهداف المرتزقة يؤكد أن الانضمام إلى الميليشيا لا يوفر ضمانات أمنية..

بؤر خطيرة:

وتشير معطيات ميدانية إلى أن مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع تحولت، خلال الفترة الأخيرة، إلى بؤر خطيرة لمجموعات إجرامية متنوعة، تضم قتلة ولصوصاً ومجرمين فارين من السجون، خصوصاً من العاصمة الخرطوم وبعض ولايات وسط السودان التي كانت خاضعة لسيطرة الميليشيا في مراحل سابقة، وقد أسهم هذا الوضع وفقاً لمراقبين في نشوء اقتصاد موازٍ قائم على النهب، والاختطاف، وفرض الإتاوات، وتجارة السلاح والبشر، في ظل غياب أي سلطة قانونية أو منظومة ضبط، ما جعل السلاح هو المرجعية الوحيدة لإدارة الخلافات وتحصيل الموارد، والجبايات، وتُظهر طبيعة هذه الفوضى أن ميليشيا الدعم السريع لم تعد كياناً عسكرياً ذا قيادة مركزية، بل شبكة من المجموعات المسلحة المتناحرة، لكل منها أجندتها الخاصة، الأمر الذي حوّل مناطق النفوذ إلى بؤر صراع داخلي، يهدد السلم الاجتماعي ويقوض أي فرص للاستقرار.

قور: هدف الميليشيا تشريد المواطنين من مناطقهم، واستبدالهم بقوم آخرين..

نتيجة طبيعية:

ويرى الناشط وصانع المحتوى والخبير في ثقافة المسيرية، المهندس أحمد سليمان قور، إن حالة الفوضى والانفلات الأمني في مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع بكردفان ودارفور تُعد نتيجة طبيعية لتحول هذه المناطق إلى مراكز لتجمع اللصوص والقتلة والمجرمين الفارين من السجون، وقال قور، في إفادته لـ(الكرامة)، إن ميليشيا الدعم السريع لا تمتلك قيادة حقيقية ولا برامج سياسية أو اجتماعية واضحة، منوهاً إلى أن هدفها الأساسي يتمثل في تشريد المواطنين من مناطقهم، واستبدالهم بآخرين يخدمون أجندتها، في إطار مشروع الوطن البديل، مبيناً أن من بين العوامل التي فاقمت الأزمة، الدور الذي قامت بها الإدارة الأهلية المحلولة، التي اتهمها بتسليم بعض المناطق تسليم مفتاح لمرتزقة من ميليشيات تنتمي إلى الرزيقات والماهرية، إلى جانب التحالف مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، في سياق مساومات مرتبطة بمنطقة أبيي، وحذر قور من خطورة تفشي الجهل وسط بعض المجتمعات المحلية وعدم إدراكها للعواقب بعيدة المدى للتشارك مع هذه الميليشيات، مشيراً إلى أن ذلك يهدد مستقبل المنطقة، التي تُعد من أغنى مناطق السودان من حيث الموارد، وذهب الخبير في ثقافة المسيرية إلى أن هذه المعطيات أسهمت في رسم سيناريو منظم، بالتنسيق بين الميليشيا والحركة الشعبية، يهدف إلى إقصاء قبيلة المسيرية من المنطقة، معتبراً أن وجود المسيرية يمثل عائقاً رئيسياً أمام مشروع الحركة الشعبية، بينما يشكل بالنسبة لبعض الميليشيات الأخرى، فرصة لتصفية حسابات قديمة.

خاتمة مهمة:

ومهما يكن من أمر.. فإن تطورات الأوضاع في مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع، قد كشفت عن مرحلة متقدمة من التفكك والفوضى، حيث لم تعد الميليشيا قادرة على ضبط حلفائها أو حماية مناطق نفوذها، بل باتت تمارس، أو تغض الطرف عن أنماط إجرامية تهدد المرتزقة والعاملين في الإغاثة والمجتمعات المحلية على حد سواء، وتشير ظاهرة اختطاف المرتزقة وعمال المنظمات إلى فقدان البوصلة السياسية والعسكرية، وتحول العنف إلى وسيلة للارتزاق، بما ينذر بتداعيات أمنية وإنسانية أوسع، تنتهي بدمار، وفوضى وزعزعة وانهيار.

* نقلاً عن صحيفة (الكرامة)

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.