سودانيون

عمار العركي يكتب.. خبر وتحليل: حين نصنع عدواً من حليف.. كيف يُفخَّخ شرق السودان باسم إريتريا؟

خبر وتحليل

عمار العركي

حين نصنع عدواً من حليف.. كيف يُفخَّخ شرق السودان باسم إريتريا؟

▪️ أخطر ما في خطاب ما يُسمّى بـ(حركة تحرير شرق السودان) التي يتزعمها (إبراهيم عبد الله دنيا)، ليس لغته ولا شعاراته ولا رسالته السياسية المرفوضة أصلًا، بل الزجّ المتعمّد بدولة الجوار الشقيق (إريـتـريـا) في متن الخطاب، على نحو يوحي بالاستقواء بها، وكأنها طرف داعم أو مظلة إسناد. هذه ليست سقطة خطابية، بل إشارة سياسية وأمنية مقصودة، ورسالة تفخيخ مقصودة أُتطلقت في توقيت محسوب.

▪️ فالعلاقة بين الخرطوم وأسمرة ظلت، منذ استقلال إريتريا، تُدار بمنطق الشكوك والظنون، رغم أنّ صعود الرئيس (أسياس أفورقي) إلى السلطة تمّ بدعم وإسناد كبيرين من السودان. ومع ذلك، لم تتحول هذه العلاقة يومًا إلى شراكة استراتيجية، بل بقيت رهينة المزاج السياسي،والحسابات الضيقة، والفراغات التي يسهل اختراقها وتوظيفها.

▪️ بعد تغيير 2019، دخلت العلاقة مرحلة أكثر سوءًا، حين انتهجت حكومة (قحت) سياسة إهمال وتهميش متعمّدة تجاه (أسمرة)، لم تكن ناتجة عن سوء تقدير دبلوماسي، بل عن خصومة سياسية واضحة. فبعد التغيير مباشرة، وقبل اتفاق الشراكة في الحكم، وأثناء زيارة وفد (المجلس العسكري الانتقالي إلى أسمرة)للتنوير بما جرى، قدّم الرئيس أسياس أفورقي نصيحة صريحة مفادها أن (يستمر المجلس العسكري في إدارة الفترة الانتقالية منفردًا ولمدة محددة، إلى أن تُعيد الأحزاب والكيانات المدنية ترتيب أوضاعها، وتتهيأ لتسلّم السلطة عبر انتخابات شعبية حقيقية) هذا الطرح فجّر غضب الأحزاب السياسية، وعلى رأسها تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت)، حيث اعتبرته تعديًا على مشروعها السياسي السريع في تسلّم السلطة.

ولم يلبث هذا العداء أن وجد من يستثمره إقليميًا. فقد جرى توظيف موقف قحت العدائي تجاه (أسمرة) بإيعاز مباشر من (أبوظبي)، التي كانت في حالة غضب حاد من (إريتريا) عقب إبعادها من ميناء عصب وإلغاء اتفاقية الإيجار والتشغيل. وهكذا تلاقى حقد سياسي داخلي مع تصفية حسابات إقليمية. في بئة قابلة ومهيأةبالشكوك والظنون ،وتحول شرق السودان تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لاحتمالات الفوضى.

▪️ عقب قرارات 25 أكتوبر 2021، وإقصاء قحت من السلطة، جرت زيارتان سياديتان استكشافيتان من الخرطوم إلى أسمرة، قبل أن تتعطل المسارات مجددًا مع تفجّر أزمة الاتفاق الإطاري. ثم جاءت الحرب، فانكشف الموقف الإريتري عمليًا، وسقطت كل الشكوك القديمة والجديدة حول نوايا أسمرة، بل شهدنا تبادل زيارات رئاسية ووزارية، وآخرها زيارة رئيس مجلس الوزراء د. كامل ادريس ووفده رفيع المستوي، التي وُصفت بالمفتاحية، وحملت مخرجات طموحة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، لكنها – حتى الآن – لم تُترجم إلى واقع فعلي.

▪️ في هذا الفراغ الاستراتيجي تحديدًا، تتضاعف خطورة خطاب إبراهيم دنيا. فهو لا يُقرأ كحراك جهوي معزول، بل كرسالة عملياتية تستهدف ضرب الثقة بين الخرطوم وأسمرة، وإعادة إنتاج مناخ الشك والارتياب تمهيدًا لفوضى مُدارة. السيناريو معروف: خطاب تعبوي، تضخيم إعلامي، احتقان ميداني، ثم استدعاء التدخل الخارجي تحت لافتات زائفة.

وقد قال (صالح عمار)، الوالي السابق وقيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت)، إن خطاب (إبراهيم دنيا) كان “إيجابيًا ويُناهض تفكيك السودان”، في حين اعتبرت بعض المصادر أن الحركة تشكّل حركة مسلحة أهلية، تعمل خارج نطاق القوات النظامية، وتنشط في الإقليم بناءً على انتماءات قبلية محلية.

▪️ وما يجري في شرق السودان لا يمكن فصله عن صراع البحر الأحمر وترتيباته. فهذه الجغرافيا ليست هامشًا، بل عقدة استراتيجية في صراع دولي وإقليمي مفتوح. من هنا، يصبح واضحًا أنّ (أبوظبي) تقف خلف مخطط زعزعة شرق السودان، ومعاقبة (أسمرة والخرطوم) معًا، باستخدام الأدوات ذاتها: مليشيات وظيفية، تمويل خارجي، وخطاب سياسي مسموم يسبق الفوضى. (دعم سريع) جديد، ونسخة مُعاد تدويرها من (حميدتي)، ولكن هذه المرّة على بوابة البحر الأحمر.

خلاصة القول ومنتهاه:

▪️ نُكرّر التنبيه والتحذيـر الذي درجنا عليـه في كتاباتٍ ومناسبـاتٍ سابقــة، وللمـرة الأخيــرة، فالصمت والتردّد في هذا الملف يصنعان عدوًّا من لا شيء، حيث ينبغي أن يُبـنى تحالف مُحتمل ومُـثبـت.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.