حديث السبت
يوسف عبد المنان
■ كيلا يباع البرهان كما بيع البشير!!
■ الاستغناء عن الرفاق بداية السقوط لصالح المليشيا
1️⃣
في تسريبات الصحافة الأسبوع الماضي، من خلال أقلام معروفة، بقربها من صناع القرار، ومن الموصولين ليلاً ونهاراً بدوائر السلطة، الأمر الذي يضفي على التسريبات أهميه كبيرة، وخاصة أن التسريب قد تحدث جهراً، بعد أن كان الهمس في بيوت الأفراح والاتراح، بإنتظار تغييرات كبيرة في هرم السلطة العليا، بحل مجلس السيادة، وإعفاء عضويته، وتكوين مجلس تشريعي كما نص على ذلك دستور البلاد المؤقت (الوثيقة الدستورية) ولما كان كلا القضيتين لا علاقة للأولى بالثانيه، فإن قراءة ما وراء سطور التسريب تضئ بؤر مظلمة، في عتمة الراهن السياسي، والعسكري، وارتباطهما، وما هو داخلي وما هو خارجي، ولكن ما ذهبت إليه التسريبات، وقد حملت في طياتها حل منتظر لمجلس السيادة، خلال يناير الحالي، وربما هي محاولة لقراءة رد فعل الجهات المعنية بالقرار، وهي عضوية مجلس السيادة المستهدفة بالحل، سواء كانوا أشخاصاً أو مؤسسات اعتبارية، فهي التي اختارت من يمثلها في هرم السلطة الأعلى في البلاد، وأجهزة المخابرات والحكومات التي تماثل حكومتنا، من حيث الموضوع لا الشكل تسعى في بعض الأحيان لاختبار الرأي العام، وقياس ردة فعله اذاء بعض القرارات، ولكن التجربة السودانيه في الواقع الحالي أثبتت من خلال أحداث كبيرة، أن الحكومة لا تأبه كثيراً للرأي العام، الذي في ظروف الحرب الحالية استهدي بشعار رفعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر: (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)..
وتحت هذا الشعار انتهكت حقوق، وحرمات، وحريات، ودخل رجال غياهب السجون سنينا عددا. وفي الفترة الأخيرة مضت الحكومة في مسارات التسويات مع جهات يبغضها الشعب السوداني، ولا يرضى بها حتى في الساحة السياسية العامة، دعك أن تعود إلى السلطة، ولم تأبه الحكومة لشريك أو حليف أو ظهير مساند، وطرحت رؤيتها التي أطلقت عليها خارطة الطريق ولا يُعرف عن هذه الخارطة الا القليل من الرجال والنساء من المحظيين برعاية الرئيس، ومن الاقراب منه. بينما شركاء من الفصائل التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة لا تعلم عن تلك الخارطة!! الا ما صدر من مندوب السودان في الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس القيادي في حزب الأمة القومي.
إن تسريبات الصحافة القريبة من قصر الرئاسة تقول إن حل مجلس السيادة وشيك!! ومثل هذا القرار لا يسنده دستورٌ ولا توصلت إليه تفاهمات في العلن، وربما هناك أفلام (باطنية) لا يعلمها إلا القليل من الناس، ولكن اتفاقية السلام التي وقعت في جوبا، حددت بوضوح لا غموض فيه، أن مجلس السيادة هو السلطة العليا للبلاد، وهي الضامن لوحدتها، وحددت الاتفاقية كيفية اختيار عضوية مجلس السيادة ومتى يفقد العضو اهليته اما بالغياب الأبدي أو الاستقالة، أو أن تقرر الجهة التي جاءت به سحب الثقة منه، وهذه الحالة تتمثل في ممثلي القوى الثورية، التي تعرف بقوى الكفاح المسلح، مثلا لا يملك البرهان بصفته رئيسا للبلاد حق إعفاء مالك عقار أو صلاح رصاص أو عبد الله يحيى هؤلاء جاءت بهم اتفاقية واي مساس بالاتفاقية يعني النكوص عنها، وإلغائها من طرف القوات المسلحة، التي يمثلها الفريق البرهان. وهناك مكون عسكري يملك البرهان بصفته قائد عام إحالة أحدهم للتقاعد، أما غيرهم فلا يملك سلطة نزع صفة عضوية مجلس السيادة من أحدهم، الا بالاستقالة الطوعية، أو الغياب الأبدي بالموت، أو العجز التام بسبب المرض، وبذلك لايملك البرهان سلطة اعفاء أعضاء مجلس السيادة من ممثلي الحركات المسلحة الا في حال تعديل اتفاق جوبا أو تجاهله عمداً، وهو يرعي نصاً دستورياً يجب احترامه، وعدم المساس به، حتى انقضاء أجل اتفاقية السلام، ولكن بالطبع البرهان يملك سلطه إعفاء نساء المجلس السيادي نوارة ابو محمد وسلمى عبدالجبار المبارك اللاتي لايعرف لهن مرجعية، فقد جاءت بهن إلى المنصب الرفيع وربما مرجعيات غير معلنه ولاتطيق الظهور تحت ضوء الشمس ولكن بقية أعضاء مجلس السيادة ينبغي لهم البقاء في مواقعهم حتى انقضاء أجل الفترة الانتقالية، وهي فترة مرتبطة بتحقيق السلام بالتي هي أحسن أو بأسنة السلاح.
2️⃣
بعض خبراء الباطن فسروا تسريبات حل مجلس السيادة بأنها خطوة ليتخلص البرهان من رفقاء السلاح، الذين كان لكل واحد منهم دوراً ونصيباً في التغيير الذي أطاح بالرئيس عمر البشير، وجاء بالفريق البرهان، ولكن في سقوط البشير وأسباب السقوط عبرة لأولي الألباب، والآن يمكن القول ما أشبه الليلة البارحة، والمشير البشير أضعف سلطته وأبعد رجاله المخلصين، وقرَّب إليه الذين تفننوا في الركوع تحت قدميه، مثل ذلك الشاب الذي سجد لغير الله أمام اقدام البشير!! فلم تشفع له سجدته، وفي قصص التاريخ عبرة لمن يعتبر. البشير شفاه الله أصبح تاريخاً يجتره البعض تحت ضوء القمر، وفي ليالي الصيف والشتاء الطويل، وقبل البشير هل قرأ الفريق البرهان اسباب سقوط السلطان على دينار، وكيف تآكلت السلطنة من الداخل، فقد قتل السلطان على دينار الرجال الأشداء المقاتلين، بسبب الوشايات وتقارير المخبرين، حتى فقد الجيش قوته، وقيل إن شقيقة على دينار حينما وصلت طلائع القوات الأجنبية للفاشر، وتمركزت في منطقة وادي سيلي، خاف الرجال من ابتلاع السلطان، الذي كان إذا غضب منك يسحلك في لمحة بصر، فأوعزوا إلى شقيقة السلطان بابلاغه بوصول القوات إلى وادي سيلي، وسأل السلطان شقيقته عن القائد فلان فقالت: *(سيدي انت ماكتلته)* وسأل عن القائد فلان فقالت له *(سيدي انت ماعزلته)* وسأل عن القائد فلان ابن فلان؟ قالت شقيقته *(سيدي الله ينصرك فلان مات في السجن)..* وفي لحظة صدق مع النفس قال لها *(الآن سقطت الفاشر في يد الترك)* ولم يكن اصل القوات تركي إنما هم الإنجليز، ولكن في ذلك الزمان كان اي رجل تركي ابيض البشرة، يقال له تركي!! وقد سقط على دينار حينما أقصى الرجال الأشداء المقاتلين، وجاء بضعاف النفوس، وهكذا فعل الرئيس السابق عمر البشير الذي حل مجلس قيادة الثورة، ولم يبق إلى جواره الا الفريق بكرى حسن صالح، وفي آخر أيام البشير تم للأسف ابعاد بكرى، ومايمثله من رمزية الجيش والوفاء، وهو من الأعاجم وعرف الرطانة بالوفاء والإخلاص، ولم يعرف عنهم خيانة وغدر، وأبعد البشير أهل النظر، وأهل الفعل، وبقي على عثمان محمد طه في بيته يستقبل من يحب حائراً مابين معارضة نظام صنعه بيده وينظر إليه وهو يتهاوي إلى جبٍ عميقٍ، وبين الموت على فراشه، وهو القادر على كبح جماح ثورة التغير التي استهان بها البشير، وأدرك دكتور نافع على نافع في حديث خاص لكاتب هذه المقالة، وشاهد على قوله الصحافي عبدالماجد عبدالحميد أن الإنقاذ تهوى إلى السقوط في سته ايام أن لم تفعل كذا وكذا، وكان نافع أو الآخر قد تم إبعاده وجاء البشير بعوض ابن عوف، وصلاح قوش، وآخرين تحسبهم جماعة وقلوبهم شتى، وحينما أزفت الآزفت اقتاد عبدالرحيم دقلو فخامة البشير الي السجن !! إنه عبدالرحيم الذي رفعه البشير من رقيب في استخبارات حرس الحدود إلى ضابط برتبة عميد!! والآن يعيد التاريخ نفسه ولايعلم القادة من ذلك الماضي والكتاب المفتوح إلا قليلاً !!
وإذا أقبل البرهان على إبعاد الرجال المخلصين من شركاء التغيير، وذهب شمس الدين كباشي إلى قرية الكرقل بجبال النوبه، فإن شمس يمثل قيمة وفاء نادرة للبرهان، مثل وفاء عبدالرحيم محمد حسين وبكري حسن صالح للبشير، وقد شرحنا في السطور الأعلى كيف أوفى بكري للبشير وكيف أوفى كباشي للبرهان، وهو الذي كتم أسرار مفاوضات المنامة في صدره ولم يبح بأية تفاصيل عن الذي حدث، ويمثل إبراهيم جابر رجل دولة تنفيذي من الدرجة الأولى، وهو الآن بمثابة رئيس الوزراء الفعلي بسبب غياب كامل إدريس الذي جاء ومعه آمال عراض بقيادة التغيير نحو الحكم المدني؛ لكن الآن يتعثر لأسباب وأخرى، وهناك ياسر العطا الذي قاتل الجنجويد برجولة ولايزال في الميدان محارباً فكيف للبرهان أن يتخلى عن أمثال هؤلاء الرجال ومن يكون البديل؟ هل هم الدكتور سليمان الدبيلو ومحمد سيد أحمد الجكومي ونوارة محمد وازهري المبارك، وصهر أحمد هارون اللواء الباهي.
إن فقدان الفريق البرهان لرجال حملوا معه أعباء التغيير واعباء النهوض بدولة من تحت الرماد، مثل الفريق محمد الغالي الذي قبل أيام أسقطه الرهق والتعب، ونقل للمستشفى بعد ثلاثة سنوات من الكد والتعب. والسهر والأرق. ومثل الفريق أحمد إبراهيم مفضل الذي تحمل على كتفيه المسؤلية في بورتسودان، والبرهان وشمس الدين وياسر العطا تحت الحصار في القيادة العامة والمهندسين.
كيف يذهب هؤلاء والمعركة مستعرة، وكذلك الدكتور عبدالله إبراهيم، هؤلاء رجالٌ من ذهب، حملوا الامانه في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، فهل من المروءة التخلي عنهم، قبل تحقيق الانتصار الاكبر، لكن دولة خصائصها استنساخ تجربة مصر في السودان، مصيرها الفشل وطبيعة النظام في إريتريا يعتمد على القائد الملهم، وصانع الاستقلال، والنظام السعودي هو نظام ملكي سلطاني له تراتيب متبعة بدقة وإنضباط، وكل هذه الأنظمة قادت شعوبها إلى الرفاهية والتنمية، ولكن للسودان خصائصه وكيمياؤه الخاصة. والتشكيل الذي يقود البلاد الان يجد الرضاء وألقبول، وحتماً يصبر الناس عليه حتى الانتخابات، التي تقرر في مصير السودان. اما ان يفقد البرهان رجاله المخلصين فان ذلك يعني بداية السقوط في منتصف الطريق، وليت البرهان تأمل وحده في اسباب سقوط البشير والسلطان على دينار والتاريخ للعبرة والدروس المستفادة، وليس لإجترار الماضي لتزجية الفراغ العريض.
والله المستعان،
3 يناير 2026م