سودانيون

المسلمي البشير الكباشي..يكتب ..رحل الشيخ حمد علي التوم

الشيخ حمد علي التوم
١٩٣٢ – ٢٠٢٤م

انتقل إلى الرفيق الأعلى فجر أمس الشيخ حمد علي التوم، آخر أبناء الزعيم الأشهر السير الشيخ علي التوم ارتحالاً عن الدنيا..
وربما هو أميزهم في غير ريادة وقيادة قبيلة الكبابيش، فهو لم يصطفَّ في موضع الإدارة الأهلية، بل انخرط في مسار آخر.
فالشيخ حمد،رحمه الله، خريج حنتوب الثانوية في مفتتح النصف الثاني من القرن العشرين، ومتخصص في الإدارة العامة التي نال فيها شهادات من جامعة الخرطوم، وجامعة لندن أو إحدى نظيراتها في إنجلترا.
هو الأوحد من أبناء الشيخ علي التوم الذي امتهن الوظيفة الحكومية واستمر فيها آماد طويلة، ضابطاً ادارياً، ثم مديراً تنفيذياً في مواقع شتى في السودان، في نيالا بدارفور، وكوستي والنيل الأبيض ، والقضارف والجزيرة، وبربر في نهر النيل، وجوبا في الجنوب، وغير ذلك، ما أكسبه ليس فقط خبرات واسعة، وإنما علاقات عميقة سبقته فيها سمعة الشيخ علي التوم، ناظر عموم الكبابيش الذي أعاد تأسيس وجودهم بعد مذابح المهدية، و الزعيم الأهلي الكبير، الذي احتل مكاناً علياً في مجتمع الإدارة الأهلية الذي شكل سياق الانتظام السوداني الأهلي عبر القرون.
وتطورت تجربة الشيخ حمد رحمه الله إلى أن أصبح وزيراً للحكم المحلي في حكومة الفاتح بشارة بكردفان على أيام حكم الرئيس جعفر نميري، واتصل تراكم التجربة حتى غدا نائباً برلمانياً بالجمعية التأسيسية التي اعقبت سقوط جعفر نميري في العام 1985م، عن الدائرة 20 سودري الغربية، عن الحزب الاتحادي الديمقراطي. وبالرغم من إلتزامه بالحزب الاتحادي الديمقراطي إلا أنَّ شخصيته المبدأية ألهمته دائماً استقلال الموقف حتى عن انتمائه السياسي فقد وقف بقوة في صف مؤيدي قوانين الشريعة المدافعين عنها في البرلمان ( الجمعية التأسيسية ) في مخالفة لتوجهات الحزب الذي ينتمي إليه.
لا يملك من يعرف شيخ حمد إلا حبه، فهو رجل لين العريكة، طيب المعشر، مؤنس بلطف، لا يمل جليسه.
من أكثر ما يميزه أنَّ تقلبه في السلك الحكومي من لدن بواكير الحياة ضابطاً ادارياً ثم مديراً تنفيذياً، وحتى مبلغ الوزير والنائب البرلماني لم ينزع من داخله جوهر البدوي، الذي أحب البادية وعشقها، وعاش تفاصيلها كما يعيش أهلوه، في أعماقها الواسعة، جاب الجبل والحدر، الوادي والسهل، الغابة والصحراء، لم يمنعه زمهرير، ولم يصده هجير.
كأنما يعنيه العباسي حين يقول :
تؤمُ تلقاء من نهوى وكم قطعت
بنا بِطاحاً وكم جابت لصيخودِ

نَجِدُ يرفعنا آل ويخفضنا
آل وتقذفنا بيدٌ إلى بيدِ

ويقتطع مهما شطَّت به المسؤولية الحكومية وقتاً بين إبله في مراتعها له فيها جمال حين تغدو وحين تروح. ومهما قرَّ في المدينة فقلبه معلق بها وروحه تحوم في معاقلها، ليس حباً لعرض وإنما عشقاً لحياة. وظل هذا ديدنه حتى وافاه الأجل . فهو وقد ناهز منتصف التسعين من العمر لا يجد مكاناً في الدنا أسعد من البادية..
وصدق شوقي حين قال :
قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً
وتهونُ الأرضُ إلا موضعا

رحم الله شيخ حمد، وأجزل ثوابه، والعزاء إلى الاهل الكبابيش جميعا، وخاصة عترة النوراب، للأمير حسن التوم حسن التوم، ولأبنائه علي، والفريق شرطة ابراهيم، ومحمد.
المسلمي البشير الكباشي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.