حديث السبت
بابنوسة ومدني وقصة جنرالين!!
1️⃣
● 5 سنوات سجن لضابط خاف وارتعد وانسحب بجنوده، إرتضى التولي يوم الزحف، والحرب ثبات وصبر.. ومن أقوال التراث، كل شئ يبدو صغيراً ثم يكبر، إلا المصيبة تبدو كبيرةً ثم تصغر .. وإن صغُر جرح مدني بمرور الأيام، فإنَّ آلامه باقيةً الى قيام الساعة!! وذلك بعد أن جاءت أحداث وأحداث عظام غطت على ذاكرة سقوط ود مدني بلا قتال!! وبعد أن تجرع الرأي العام من قبل ومن بعد – حسرةً وغيظاً – قصة الخيانة.. الخيانة التي فتحت الأبواب على مصراعيها، فدخلتها أفواج المليشيا، فصارت الولاية بأكملها بشراً، وأخضراً ويابساً، ومقدرات لا يحيط بها الثمن.. كلها صارت يوم الخيانة في قبضة الدعم السريع البغاة الطغاة!!
ولكن المحكمة قالت كلمتها في حق المتهم الأول اللواء أحمد الطيب قائد الفرقة الأولى، فبرأته من تهمة الخيانة، التي عقوبتها الإعدام رميا بالرصاص. وقالت المحكمة لم يرتكب الخيانة أحد من العسكريين.. ولكن المحكمة التي قضت بسجن القائد 5 سنوات ثبت لها تقصيره وإهماله، مما أدى لسقوط ود مدني ثاني اكبر مدن السودان.. دون قتال أو مقاومة..
● ويوم صدور الحكم اطلق الوالي الطاهر الخير تصريحات تنم عن ذكاء لهذا الرجل- الذي استطاع ان ينهض بمدينة ود مدني وولاية الجزيرة من تحت الرماد – قال الوالي في رسالة بليغة تعد بمثابة احتجاج على حكم يراه الكثيرون مخففاً بحق اللواء احمد الطيب، فقال الوالي إن المليشيا قتلت 6600 شخص في ولاية الجزيرة، وكل هذه الأنفس معلقةً في عنق حميدتي، ومن أعان حميدتي، ومن ناصر حميدتي، ولو بكلمة في جهاز هاتف، فسيأتي يوم القيامة وفي عنقه أرواح قتلت، ودماء سفكت، وأموال نهبت. وكثير من مناصري المليشيا يحسبون أن وقوفهم من القتلة هيناً وهو عند الله عظيم.. ولا يملك الرأي العام في ولاية الجزيرة الاحتجاج على صدور حكم مخفف من محكمة عسكرية بطبيعتها صارمة جداً.
● وعقوبة السجن خمس سنوات هي تعني تلقائيا الطرد من الخدمة العسكرية التجريد من رتبه اللواء كما فعل سلفا كير ميارديت مع نائبه الخائن من غير محاكمة، كما فعل البرهان مع اللواء احمد الطيب الذي أمضى أكثر من عامين ما بين الحبس معتقل وأمام القضاء العسكري الذي عرف بالنزاهة والكياسة. وأغلب أحكام القضاء العسكري تذهب لدهاليز الصمت ولا يعلن عنها الا في حالات محدودة، مثل حالة احمد الطيب، لأن القضية خرجت من سياق العسكرية الى قضية رأي عام، وسط اهل السودان، فكيف لفرقة كاملة بعتادها وجنودها تنسحب من مدينة مثل ود مدني، ولا يدافع ويموت من أجل الملايين في الجزيرة الا مقاتلي المقاومة الشعبية ومقاتلي جهاز الأمن الذين لهم في هذه الحرب تضحيات ودماء طاهرة سكبوها مع اخوتهم في القوات المسلحة.
تقديرات اللواء احمد الطيب الخاطئة واهماله وانسحابه من غير اتباع التعليمات التي كان يُفترض أن تتنزل عليه من القيادة العليا، جرَّت عليه تهمة الإهمال، ولم تجر عليه تهمة مخالفة الأوامر المستديمة، والحرب تقديرات قادة قبل أن تكون قرارات جماعية، لذلك كانت تقديرات احمد الطيب الانسحاب كارثية على الشعب.. والفرقة الأولى في الجيش السوداني لم تقاتل مثل فرق عسكرية أخرى.
ذهب احمد الطيب الى السجن لانه لم يقاتل كما قاتل آخرون سياتي الحديث عنهم في سياق هذا المقال ولكن احمد الطيب سيشعر بقية حياته بالحسرة على ما فرط فيه، وبقرار انسحابه الخاطئ مات أكثر من ستة آلاف من سكان الجزيرة كما قال الوالي الطاهر في حديثه الصريح والمؤلم الحزين، وكلما تذكر المرء مشهد الموت في الجزيرة تساءل لماذا لم يقاتل القائد المهمل المدان بالتقصير، مثل اخوان ياسر فضل الله في نيالا.
2️⃣
● البلاد تخوض حرباً امتدت لثلاث سنوات، وربما تطاولت أكثر!! الحرب خلدت أبطالاً في ذاكرة هذا الشعب، الذي لم ينس تضحيات العقيد عبد الرحمن البلاع، في أعالي النيل، ولن ينسى شجاعة مقبول الفاضل هجام، ولا فدائية العقيد الشهيد ابراهيم شمس الدين، ولا جسارة الطيار مختار محمدين شهيد الناصر ولا جسارة الكابتن مصطفى بدوي أمهر من كان يقود ويحلق بطائرة الشحن الأمريكية السي 130 ولا مغامرات الشهيد زيدان، وفراسة حاج أحمد الجيلي، ومن هولاء رضع الشجاعة اللواء نصر الدين في المدرعات، الذي حينما تمت إحالته للتقاعد كاد ان يبكي عليه كل الشعب السوداني، وقد جسد نصرالدين بطولة هذا الجيش العظيم، كما جسدها ياسر فضل قائد الفرقة السادسة عشر نيالا، وجاء من بعده العميد حسين جودات، حتى سقطت الفرقة السادسة عشر بعد أن نفدت الذخيرة واستعصي على الطيران إسقاط احتياجات القوات المسلحة، وحينما بدات الفرقة في الانسحاب دمرت اسلحتها حتى لا تذهب غنميه في أيادي المليشيا وخرج العميد جودات في جنح الليل وعاد مجروح في كبده وفي جسده.
● ولكن احمد الطيب آثر النجاة بجلده، فمات من وراء ذلك الآلاف من اهل الجزيرة، وظن في تقديراته ان الانسحاب من أرض المعركة مثل التقديرات السياسية، وان كانت المليشيا تملك الأسلحة المتقدمة فإن السلاح لايقاتل ولكن يقاتل الرجال، وقد انسحب جنود وضباط الفرقة وعيونهم دامعه وهم في شوق للقاء الجنجويد، ولكن تقديرات القيادة ارغمتهم على ابتلاع القرار المر. وما بين مشهد مدينة ود مدني ومشهد الفريق الشهيد معاوية حمد في بابنوسة، تبدو المفارقة الكبيرة بين السماء والأرض، بين قائد انسحب وآخر قاتل في الفرقة 22 بابنوسة حتى لقى ربه شهيداً، وأنفه في السماء وروحه رخيصة من أجل تراب الوطن قاتل معاوية واخواته في قيادة الفرقة 22 ورفيق دربه حسن درمود حتى الموت وحتي إنجلت المعركة!! لقدظل البطل درمود ثابتاً في فرقته 22 يصد موجات المليشيا، ولم ينسحب برغم ما قدمه له أهله وعشيرته المسيرية من مغريات لينجو بنفسه، ولكنه رفض في كبرياء وشموخ واباء، أن يغادر الرفاق.
● وعندما سقطت مدني بانسحاب اللواء احمد الطيب كان بالمدينة ملايين من سكانها ومن الذين استجاروا بها من سكان الخرطوم، تركهم احمد الطيب لاقدارهم واختار النجاة بجلده بدلا من الموت من أجلهم، وفي مشهد بابنوسة حينما حاصرها الجنجويد كانت بابنوسة المدنية عبارة بيوت أشباح طرد منها أهلها، وتحت قسوة القصف المدفعي بتهديد المليشيا كانت بابنوسة لحظة حاصرها خالية من السكان، ولو انسحب اللواء معاوية حمد وجنوده حينئذٍ لما لامهم أحدٌ، ولكان انسحابهم مبررا.. والجندي يقاتل من أجل هذا الشعب وحينما تصبح المدينة عبارة عن اطلال ومباني مهجورة تضعف نوازع القتال بينما يستمد المقاتلون روحهم المعنوية من وجود شعبهم، وكان حرياً باحمد الطيب القتال من أجل الملايين، من سكان ودمدني، وكان مبرراً انسحاب معاوية حمد ودرمود من بابنوسة، التي ينعق في بيوت السكة حديد وسوق المدينة بوم الصيف، وحتي (الكلجو) هجرها، وغني عبدالقادر سالم حين جف الرهيد.
● ولكن الشهيد معاوية حمد الذي خلد اسمه في سجل الابطال كان يقاتل عن رمزية الفرقة 22 التي تعلقت قلوب الشعب السوداني بها، ويقاتل عن شرف الجندية، وعن شعب قهره الطغاة، ولم ترتعد أطراف الشهيد معاوية حمد، والالاف من جنوده، وهَم يواجهون الموت بشجاعة، وحصدت دبابات الإمارات أرواح الابطال وفشلوا في أسر جندي او ضابط في بابنوسة، حتى يمثلون به،كعهدهم مع الاسري!! مات معاوية حمد واقفا في خط النار ولايزال مصير العميد حسن درمود مجهولاً، هل استشهد ام لايزال على قيد الحياة؟ وهل انسحب مع القوة التي وصلت هجليج؟ ام في مكان آخر، ومن حق اهل السودان السؤال عن بطل من الابطال الخالدين في سفر التاريخ العسكري، والتاريخ السياسي، والاجتماعي، وسيبقى معاوية حمد في ذاكرة هذا الشعب، فتى قدم روحه من أجل الدين والوطن، وشرف الكاكي، بينما يقبع احمد الطيب في سجنه وفي قلبه حسرة وندامة على مافرط في فرقته؟
● أما كان أكرم وأفضل له ان يموت واقفاً في أسوار الفرقة الأولى شهيداً، بدلاً من ان يقبع في السجن بتهمة التقصير ووالإهمال.
لم نكتب عن أحمد الطيب وهو متهماً منذ القبض عليه، ووضعه في الحبس، ولكن اليوم سنكتب عنه وهو في مقام من قصر في اداء الواجب بينما في كل يوم يرتقي معاوية حمد مقاماً علياً. انها قصة جنرالين في مدينتين، مع الفارق الضخم بينهما.
24 يناير 2025م