للحقيقة لسان
المطلوب والمنتظر من (أبو حباب)
قبل أيام صدر قرار تعيين الزميل والصديق الأستاذ محمد عبد القادر مستشاراً صحفياً لرئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس، وفي الحقيقة فإن شهادتنا في محمد، رئيس تحرير الكرامة، تبقى ناقصة مهما حاولنا، فالرجل جزء أصيل من المدرسة المهنية التي وضعت نفسها في قلب المعركة الوطنية منذ اليوم الأول للحرب، ورفعت صوت الجيش في اللحظة التي حاول فيها كثيرون الصمت أو المواربة.
ظلت صحيفة الكرامة تنقل يومية الحرب، توثّق الفظائع التي ارتكبتها مليشيا الجنجويد، تكشف ممارساتها في المدن والقرى، وتواجه ماكينة التضليل بشجاعة قلّ أن نجد لها مثيلاً في الصحافة السودانية خلال هذه المرحلة، لم تكن مجرد جريدة، بل تحولت إلى شاهد وساتر ومنصة أعادت الاعتبار للخطاب الوطني، وهي أول صحيفة تدخل إلى القيادة العامة للقوات المسلحة عقب فك الحصار عنها، وأول من أصدر أعداداً خاصة بانتصارات الجيش، وأول من انفرد بخبر تعيين الدكتور كامل إدريس، ولعل هذا الدور جعلها، ومعها محمد، أشبه بـ«سند» للدولة والمجتمع في معركة الكرامة.
حالة الإجماع التي صاحبت قرار التعيين على منصات التواصل الاجتماعي كانت لافتة، انهالت التهاني والتبريكات بصورة لا تتكرر كثيراً في زمن الانقسام الحاد، شعر الناس أن «أبو حباب» جاء إلى موقعه الطبيعي، وأن القرار تأخر طويلاً رغم أنه كان الأقرب منطقاً وواقعية، فهو صحفي داعم للجيش، وفي الوقت نفسه يتمتع بالرصانة والانضباط المهني في عمله، ما يجعله أهلًا لتولي منصب المستشار الصحفي لمؤسسة القرار،ويمنحه القدرة على تقديم الأخبار والأنشطة الرسمية بطريقة متزنة ودقيقة،وهو بذلك يعكس الثقة والكفاءة التي استحقها.
ما ينتظره اليوم ليس بالأمر الهيّن،فقد نشأت فجوة خلال الأيام الماضية بين رئيس الوزراء والصحفيين، وفجوة كهذه لا تُرمّم بخطاب أو بيان، بل بفهم عميق لدور الإعلام في تجربة دولة تسعى للنهوض من ركام الحرب، وكان أبرز تجليات هذه الفجوة ما حدث مع زميلنا عزمي عبدالرزاق حين صدر عن المكتب الرسمي لرئيس الوزراء خبر يتهمه بأنه “قلم مأجور”، ثم فُتحت في مواجهته بلاغات على خلفية انتقاداته للدكتور كامل إدريس، كانت تلك لحظة مربكة، ليس لأنها طالت صحفياً بعينه، بل لأنها وضعت رئاسة الوزراء وجهاً لوجه أمام سؤال بديهي: ما حدود النقد؟ وما الذي يعنيه أن تكون صحفياً في زمن يحتاج كل صوت فيه إلى فضيلة التمييز بين الهدم والتقويم؟ فالصحافة في جوهرها تنقد وتكشف القصور وتهزّ الغبار عن مواطن الخلل، لكنها أيضاً تشيد بالمجتهدين وتكتب عن الذين يحملون عبء الدولة بإخلاص.
هنا يأتي دور المستشار الجديد، محمد يحمل خبرة طويلة تمكنه من ضبط ما يصدر عن مكتب رئيس الوزراء من بيانات وصور ولغة، فالخبر ليس مجرد سرد لما حدث، والصورة ليست إجراءً بروتوكولياً، بل كل تفصيلة تصنع وعياً عاماً وتشكل انطباعاً لا يُمحى بسهولة، وقد بدا خلال الأشهر الماضية أن بعض الصور والمناسبات خرجت بلا إشراف مهني دقيق، فتسببت في سوء فهم أو قراءات غير مقصودة، بدءاً من طريقة جلوس رئيس الوزراء مع المسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين، وصولاً إلى ما رافق زيارته إلى الرياض في 15 سبتمبر من ملاحظات بروتوكولية، إضافة إلى حماسه وهتافه أثناء لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي وما أثاره ذلك من تعليقات واسعة،فقد تجدد الجدل بالأمس بعد أن هاتف رئيس الوزراء مديرة مكتب قناتي «العربية والحدث» لينا يعقوب معلناً رفع قرار الإيقاف عنها دون الرجوع إلى وزارة الإعلام، الجهة التي أصدرت قرار الإيقاف في الأساس، في خطوة أراها خرقاً واضحاً للمؤسسية والأعراف البروتوكولية،هذه التفاصيل، مهما بدت صغيرة، تصنع ظلالاً طويلة في المشهد السياسي والدبلوماسي.
محمد يعرف أن مهمته لا تقتصر على تقليل الأخطاء، بل صناعة منهج جديد للتواصل الحكومي يقوم على الشفافية، وفهم المرحلة الحرجة، وإعادة بناء خطاب متزن ورصين يراعي حساسية الحرب، ولا يتورط في ردود أفعال سريعة،خطاب يقدم رئيس الوزراء كما هو، دون تهويل أو مبالغة، ويحدد ما يجب فعله وما يمكن الانتظار عليه، ليصبح مكتب رئيس الوزراء نافذة توضح، لا نافذة تُربك أو تزيد الضباب كثافة.
(أبوحباب) أشطر وأمهر الصحفيين الذين مروا على “الديسك مان”، فهو يجمع بين خبرة غرفة العمليات الصحفية، وخبرة الحقل التي تمنحها سنوات المهنة الصعبة، وخبرة الموقف الوطني الذي لا يزيّنه ادعاء، لكن المهمة الجديدة تضعه أمام امتحان مختلف: بناء جسر بين الدولة والصحافة، وبين القرار والرأي العام، وبين ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُصاغ بحكمة.
والبلاد اليوم تحتاج إلى كلمة محسوبة، وصوت متزن، وصورة واضحة، ورجل يعرف أين يمسك الخيط قبل أن ينقطع، رجل يضع نفسه سنداً لا عبئاً، ويجعل من مهمته رسالة للصحافة والدولة معاً: أن المصداقية ليست رفاهية، بل واجب وطني، وأن الخبر حين يُكتب بحكمة هو في حد ذاته عمل مقاومة وصناعة وطن.