طلب إلي صديق وزميل عزيز ، أن أقدم ما عندي من معلومات عن شاعرنا الكبير الراحل الأستاذ “عبدالمنعم عبدالحي”، بعد أن كتبنا من قبل مقالا عن الوحدة والإنفصال بين شطري السودان ، حملت اسم (على ابن الجنوب ضميت ضلوعي) وهي شطرة من بيت مشهور في قصيدة أم درمان للشاعر الراحل ، غناها الفنان الكبير عميد الفن السوداني “أحمد المصطفى” – رحمهم الله جميعاً – وقد وجدت حظها من الإنتشار الذي سبقه القبول .
قلت للصديق العزيز إنني لم ألتقِ في حياتي بالراحل “عبدالمنعم عبد الحي” وهو قد رحل عن دنيانا حسبما هو موثق ، خلال النصف الثاني من عام 1975م ، وهو أحد الذين أسهموا في تشكيل الوجدان الثقافي والفني في السودان . وذكرنا من قبل أنه يعتبر نموذجاً لإنسان وادي النيل، فقد ولد لأبوين من قبيلة الدينكا في جنوب السودان ، وعاش جزءاً من طفولته بالخرطوم ، ثم إنتقل وهو طفل مع والديه إلى مدينة أم درمان التي تركت فيه أثراً لم ينمحِ من ذاكرته حتى وفاته .. وتعرف في أم درمان بأحد أرق شعرائنا وأكثرهم أدباً ، وهو الراحل “مبارك المغربي” وقد تزاملا في مرحلة الدراسة الأولية بمدرسة الموردة ، ليفترقا في المرحلة الوسطى ، إذ إنتقل “المغربي” إلى مدرسة أم درمان الأهلية الوسطى ، و”عبد الحي” إلى أم درمان الأميرية الوسطى .
إهتممت في فترة ما بالتوثيق للأغنية السودانية وتاريخها ، وتوفر لي من المصادر الشيء الكثير ، من خلال لقاءات مباشرة مع عدد من مطربي السودان الكبار وفنانيه منذ أيام الطفولة ، بحكم علاقات السيد الوالد الأستاذ محمود ابوالعزائم – رحمه الله – وهو ما أتاح لي لاحقاً الحوار معهم ، وإستفسارهم عن كثير مما غاب عني ، لكن أعظم ما توفر لي حول الشاعر “عبدالمنعم عبدالحي” وجدته في تسجيلات إذاعية بصوته ، ضمن حلقات سجلها معه الإذاعي والإعلامي المصري الكبير الراحل الأستاذ “فؤاد عمر” بثتها إذاعة ركن السودان في عام 1971 م ، في ثلاثين حلقة . كان الراحل قد قام بتسجيلها أوائل نوفمبر عام 1970م ، كما قال بذلك الراحل “فؤاد عمر” وهو للعلم صاحب أحد أشهر البرامج الإذاعية في إذاعة ركن السودان ، ونقصد برنامج (حبابكم عشرة) ، وقد إلتقيت به كثيراً ، وفتح لي الأبواب لتقديم عدد من البرامج في إذاعة ركن السودان ، التي تحولت إلى إذاعة وادي النيل لاحقاً ، وكان رحمه الله قريباً إلى النفس والقلب .
تلك التسجيلات النادرة والتي جاءت بصوت شاعرنا الكبير الراحل “عبدالمنعم عبدالحي” تحولت إلى ذكريات مكتوبة ، وصدرت في كتاب صدر عام 1999م ، أعده الأستاذ “فؤاد عمر” تحت عنوان (عبدالمنعم عبدالحي وذكريات مع الفن) وهو من منشورات مركز “عبدالكريم ميرغني” الثقافي بأم درمان . ونحسب أنه لا غنى عنه لأي باحث في تاريخ فن الغناء السوداني ، وقد صدر عن المركز ذاته عدة كتب – على ما أذكر – عن فن الغناء السوداني منها مذكرات أمير العود “حسن عطية” للإذاعي والإعلامي المصري الكبير الأستاذ “فؤاد عمر” – رحمه الله – وكتاب آخر لأستاذ الأجيال الشاعر والممثل والمؤلف والإذاعي الهرم الأستاذ “السر أحمد قدور” صدر عن ذات الدار في ذات العام 1999م ، تقريباً تحت عنوان “أحمد المصطفى”.. (فنان العصر) . وتأتي قيمة الكتاب من أنه رصد لتاريخ وحياة الفنان الراحل العميد “أحمد المصطفى” وأن الذي كتب تلك السيرة النبيلة هو الأستاذ “السر قدور” رحمه الله . إضافة إلى أن السفير الدكتور “بشير البكري” – رحمه الله – كتب مقدمة ذلك الكتاب ، وقدمه أيضاً شاعرنا الإذاعي والدبلوماسي الكبير الأستاذ “صلاح أحمد محمد صالح” الذي انتقل عن دنيانا في يناير 2019 م .
وذلك غير كتاب ثالث أعده الدكتور “حسن أبشر الطيب” عن شاعرنا “صلاح أحمد محمد صالح” وسيرته الإذاعية وريادته وابتكاراته التي جعلته أول من جمع أغنيات فترة التأسيس للأغنية السودانية الناشئة في فترة عشرينيات القرن الماضي وما بعدها ، وقد حمل الكتاب اسم “صلاح أحمد”.. (عبقرية حقيبة الفن) .
مؤسساتنا ومنظمات المجتمع المدني في بلادنا كرمت الكثيرين ، وقد شهدت آخر تكريم لشاعرنا الكبير السفير “صلاح أحمد محمد صالح” – رحمه الله – قبل أعوام قليلة في مسرح البقعة ، وكان تكريماً مهيباً يليق بالرجل وتاريخه العظيم .
الآن حان وقت تكريم الشاعر الكبير الأستاذ “عبدالمنعم عبدالحي” – رغم الظروف الإستثنائية التي نعيشها وتعيشها بلادنا – ليت ذات المركز “عبدالكريم ميرغني” تبنى الفكرة أو منتدى أبناء أم درمان ، أو النادي العائلي أو مركز “راشد دياب” الثقافي ، أو أي من إتحادات الشعراء أو فن الغناء ومؤسسات الدولة الرسمية ، ليتهم بادروا بتكريم هذا الشاعر الكبير الذي جسد لنا وحدة السودان (الضائعة) وجسد لنا وحدة وادي النيل (المرجوة) ، وللرجل أسرة مازالت تقيم في مصر وسبق للراحل أن تزوج من سيدة مصرية هي السيدة “نفيسة سيد حسن” وعدد من الأبناء والبنات .
نسأل الله أن يوفق القائمين بأمر الثقافة للاهتمام بتكريم الرموز وإحياء فكرة المهرجانات السنوية التي تبقي رموزنا في الذاكرة والبال دائماً .
*Email :sagraljidyan@gmail.com*