سودانيون

أبو عزام علي محمد جبر الله..يكتب..​سودري الأبيّة: بين رماد الدمار وأمل الإعمار.. حاضرة الكبابيش والتاريخ

​تُعدّ محلية “سودري” واحدة من أهم الحواضر الاستراتيجية في الجزء الشمالي الغربي لولاية شمال كردفان؛ إذ ترتبط بحدود مترامية الأطراف مع ولايات غرب كردفان، وشمال دارفور، والولاية الشمالية. وتمتد المحلية على مساحة شاسعة تُقدّر بنحو 76 ألف كيلومتر مربع (بين دائرتي عرض 14 و16 شمالاً وخطي طول 27 و30 شرقاً)، وترتفع عن سطح البحر بنحو 536 متراً (1758 قدماً). وتتوزع جغرافياً وإدارياً على ثلاث وحدات رئيسية هي: وحدة سودري (رئاسة المحلية)، وحدة حمرة الشيخ، ووحدة أم بادر.
​منظومة مؤسسية وخدمية متكاملة
​تزخر رئاسة المحلية ببنى تحتية ومؤسسات خدمية وحكومية وأمنية عريقة لطالما شكّلت عصب الحياة للخدمات العامة، وتضم:
​الإدارة والحكم: رئاسة المحلية، الوحدة الإدارية، ديوان الزكاة، وديوان الضرائب.
​الخدمات والتنمية: إدارة الزراعة والثروة الحيوانية، هيئة مياه الشرب، ومصنع الحاج محمد أحمد لمعالجة الكرتة.
​القطاع الصحي والشرطي: المستشفى الحكومي، التأمين الصحي، المستشفى البيطري، رئاسة الشرطة، رئاسة جهاز الأمن، وإدارة وسجن سودري.
​الحركة التجارية والدينية: تضم المدينة المسجد العتيق وسبعة مساجد جامعة، وثلاث محطات وقود، وثلاثة أسواق رئيسية (السوق الكبير، سوق الرقابة، وسوق الذهب)، إضافة إلى السوق الأسبوعي.
​وتعتمد الدورة الاقتصادية للسكان بشكل أساسي على الرعي، والتعدين، والزراعة، والتجارة العابرة. وتبعد سودري عن مدينة الأبيض (عاصمة الولاية) مسافة 180 كيلومتراً، وعن العاصمة الخرطوم نحو 380 كيلومتراً.
​بصمات إدارية وتاريخ أصيل
​يتمتع مجتمع سودري بسجل تاريخي مضيء يزخر برجال وأعلام تركوا بصمات لا تمحوها السنون؛ وفي مقدمتهم الضابط محمد شريف يعقوب جليس نورالدائم الشيخ أحمد الطيب، الذي شغل مدير قسم شرطة سودري في أواخر الثلاثينات ومطلع الأربعينيات من القرن الماضي لمدة زهاء ست سنوات. وقد وُلد له فيها نجله (محمد سعيد)، تيمناً وتكريماً للشاعر الكبير محمد سعيد العباسي. وترك الضابط محمد شريف أثراً بيئياً وعمرانياً شاخصاً تمثل في زراعة أشجار النيم التي لا تزال أفرعها شاهقة وظلالها وارفة شاهدةً على ذلك العهد الجميل.
​الجذور التاريخية والإدارية:
​النشأة والتسمية: يُعد الاستعمار الإنجليزي أول من أنشأ مركزاً ريفياً في سودري عام 1913م، ويُشاع أن اسم “سودري” مشتق من العبارة الإنجليزية (South Dry) التي أطلقها الحاكم الإنجليزي آنذاك إشارةً إلى طبيعتها وموقعها.
​الإدارة الأهلية: مُنح السير علي التوم فضل الله (زعيم قبيلة الكبابيش) صلاحيات إدارية واسعة لتنظيم المراعي وحفظ الحدود والأمن.
​التحول الديمقراطي والإداري: صدر قانون المديريات والمجالس ليتحول “ريفي سودري” رسمياً عام 1952م إلى مجلس ريفي برئاسة مفتش إنجليزي (المستر لي، الذي امتد حضوره ونشاطه بالمنطقة منذ فترة الثلاثينات بالتزامن مع عهد الأستاذ حسن نجيلة).
​قيادات وطنية: برز العديد من أبناء المنطقة في قيادة العمل العام، مثل: موسى محمد التوم (عريقان)، الشيخ إبراهيم علي التوم (الضابط الأول ورئيس مجلس ريفي سودري)، وحمد علي التوم (الخريج الجامعي والضابط الإداري). وفي العمل البرلماني، فاز فضل الله علي التوم بعضوية البرلمان بالتزكية عام 1954م وتولى لاحقاً وكالة وزارة الداخلية، بينما تولى جامع علي التوم رئاسة محكمة سودري خلال الخمسينات والستينيات.
​عصب الاقتصاد: الثروة الحيوانية
​الضأن الكباشي: تشتهر المحلية بامتلاك ثروة حيوانية ضخمة يتصدرها “الضأن الكباشي” المعروف بجودته الفائقة، والذي يُعد عصب الاقتصاد القومي مشكلاً نحو 20% إلى 25% من إجمالي صادرات السودان للماشية وإنتاج الولاية.
​الإبل: تُعد سودري موطناً رئيسياً لتربية الإبل كماً ونوعاً، ومحطة تاريخية محورية لتجارة وصادر الهجن والأنعام.
​مسيرة التعليم.. من الخلاوي إلى التحديات الراهنة
​انطلق التعليم قديماً عبر الخلاوي، ثم تأسست “مدرسة الرحل” في مطلع الثلاثينات، وكان للمفتش الإنجليزي (مكلارين) دور في اختيار الأستاذ القدير حسن نجيلة ليُعلّم أبناء الشيخ علي التوم، حيث قضى أربع سنوات في المدرسة الظاعنة بحمرة الشيخ قبل أن يعود للخرطوم ثم يرجع مجدداً إلى سودري عام 1952م.
​تأسست أول مدرسة نظامية أولية في سودري عام 1938م لتخدم كافة المكونات (الكبابيش، الجبال البحرية، الكواهلة، والمجانين)، وتم ترفيع المدارس لاحقاً في عهد الرئيس جعفر نميري عام 1972م. وتضم المحلية اليوم 134 مدرسة ابتدائية، و9 مدارس ثانوية، و8 مدارس متوسطة، إضافة إلى 18 مدرسة متوسطة مستضافة بالريف.
​التحديات الراهنة: يعاني قطاع التعليم الثانوي بالمحلية من غياب المساق العلمي تماماً؛ نتيجة لعدم توفر المعلمين المتخصصين والمعامل الدراسية المجهزة، مما يحرم أبناء المنطقة من فرص الالتحاق بالتخصصات العلمية والطبية والهندسية.
​آثار العدوان وقسوة الطبيعة (تأثيرات الحرب والنزوح حتى 2026)
​وثّق مقطع فيديو مصور صوره الشيخ محمد علي جادالله من قلب محلية سودري، حجماً مروعاً من الدمار الشامل الذي طال المنشآت الحكومية والخدمية؛ نتيجة أفعال مليشيا الجنجويد التي خربت مسيرة التنمية والإنسان.
​وليزيد الطين بلة، واجهت المنطقة في هذا العام (2026م) شحاً حاداً في الأمطار أفضى إلى موجة جفاف قاسية، وغلاء معيشي، وعطش شديد.
​النزوح السكاني: قُدر عدد سكان المحلية قبل الحرب بنحو 385,000 نسمة تقريباً. وقد أدت المواجهات المستمرة إلى مغادرة معظم السكان نحو الأبيض، الخرطوم، والولاية الشمالية. وفي أغسطس 2026م، استقبلت مدينة أم درمان نحو 300 نازح وصلوا من سودري وتوزعوا في دور ومساكن المأوى.
​نداء واجب وعهد مع الإعمار
​تقف هذه الحاضرة العريقة التي سُميت تاريخياً “مجلس ريفي الكبابيش”، وحاضرة الكبابيش والجبال البحرية والكواهلة، اليوم على مفترق طرق بعد تطهيرها من دنس المليشيا.
​من هنا، نتوجه بنداء عاجل إلى:
​المنظمات الإنسانية والإغاثية: لسرعة التدخل وتوفير صهاريج المياه، والمساعدات الغذائية، والمعينات الطبية لمجابهة تداعيات الجفاف وآثار الحرب.
​الحكومة والجهات المختصة: لترميم البنية التحتية المهدومة، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، وإدخال المساق العلمي لطلاب الثانوي.
​رجال الأعمال وأبناء سودري الأوفياء بالداخل والخارج: بضرورة الهبة الجماعية للنهوض بالمنطقة وبذل الغالي والنفيس لتستعيد سودري سيرتها الأولى؛ واحةً للأمن، والاستقرار، والاستثمار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.