مع مطلع هذا الأسبوع ، كنت في مدينة نصر وداخل مكاتب جمعية إسناد لدعم المتضررين من الحروب والكوارث بجمهورية مصر العربية ، وهي جمعية سودانية لعبت أدواراً عظيمة في مساندة السودانيين الذين تضرروا من الحرب اللعينة التي أشعلتها قوات الدعم السريع المتمردة في بلادنا ، كنت هناك بدعوة كريمة تلقينها من أخي وصديقي مخرج الروائع المبدع الأستاذ شكر الله خلف الله ، وأكدت عليها الإبنة الكريمة الأستاذة سها شريف النور ، مسؤولة الإعلام والعلاقات العامة بالجمعية ، وذلك للمشاركة ضمن آخرين في تسجيل مقاطع مصورة لفيلم تسجيلي يوثق لحياة شاعرنا الأديب والدبلوماسي الراحل السفير عبدالله حمد الأزرق الحاضر الغائب ، والذي رفع إسم السودان عالياً وكان مفخرة لنا ولبلادنا ، والذي تمثلت فيه الهوية الوطنية الجامعة ، من خلال مولده في منطقة الصوفي الأزرق ، التي ارتبطت به وبإسمه ، المدينة وأسهمت في تشكيل شخصيتة السودانية وهويته التي عرفناها ، بعيداً عن العصبية القبلية أو الجهويات التي تفرق ولا تجمع ، والذي ولد ونشأ في بيئة مهتمة بالعلم والمعرفة والتعليم والعمل العام ، فكانت تلك أهم وأبرز مكونات شخصيته الفريدة .
رغم أن مقر سكني في منطقة الكوم الأخضر بالهرم ، يبعد كثيراً عن مدينة نصر إلا أنني كنت حريصا على المشاركة ، فللراحل المقيم مكانة خاصة في نفسي ونفوس الكثيرين ، ووجدت هناك الأستاذ شكر الله قبل الجميع ، إضافة إلى الفريق البروفيسور عمر قدور ، والسادة السفير خالد فرح ، ومدثر حسن صديق ، والدكتورة سلوى حسن صديق ، ومسؤولة إعلام الجمعية الأستاذة سها شريف ، وعلمت أن السفير الدكتور كمال حسن علي قد سبق بتسجيل فقرة خاصة في الفيلم الذي يجري إنتاجه .
قبل أكثر من عام ، وتحديداً في السابع من يوليو عام 2025 م ، وفي مدينة القاهرة انتقل السفير الأزرق إلى جوار ربه ، تاركاً فراغاً كبيراً ، ليس في ساحات العمل الدبلوماسي وحده ، بل في ساحات الفكر والعمل الوطني والعلاقات الإجتماعية الواسعة التي كان نسيجها من خيوط الحب والتواصل الممتد الذي لم يقطعه الا الرحيل الفاجع للسفير الأديب والمفكر والدبلوماسي الرفيع عبدالله الأزرق .
رغم إيماننا بأن الموت حق ، وانه سبيل الأولين والآخرين إلا أن رحيل السفير الأزرق – رحمه الله – كان صدمة للكثيرين ولكل من عرفه خاصةً من أهل الآداب والثقافة والصحافة والإعلام ، ممن كان يحرص على لقائهم بين الفينة والأخرى ، في لقاءات يحرص خلالها على أن يطرح أمامهم الكثير من القضايا بكل صدق ، ويشركهم معه في نقاش القضايا التي تتطلب وعياً متقدماً من أجل إستقرار الوطن .
كان رحمه الله شاعراً رقيقاً وكان البعض يرى أنه شاعر إختارته الدبلوماسية وتفاخرت به ، وهو من أبناء أسرة المجاذيب العريقة ، وتربط بينه وبين البروفيسور الراحل عبدالله الطيب أواصر الدم والقربى ، وقد هاجر أسلافه من الدامر في ولاية نهر النيل إلى القضارف في شرق السودان ، وهذا ما أكسبه التنوع الحيوي في العلاقات الرؤى والأفكار ، وقد أضاف -رحمه الله – إلى المكتبة السودانية العديد من الكتب التي ناقشت قضايا فكرية وإجتماعية لم يقترب منها الكثيرون من قبل ، خاصةً قضايا مثل قضية التطرف الديني ، في كتابه الموسوم ب “إدارة التوحش”.. وتناوله النقدي الجريئ “حصاد الشيوعية” الذي جاء في أربعة أجزاء ، لكنه أصدره بإسم مستعار هو د. ياسر أبشر عبدالمجيد .
كما كانت له قصائد في هجاء “قحط” باللهجة العامية بصوته ، وبإسم حركي هو “العبيد المجذوب”.
محطات فقيدنا الراحل الدبلوماسية متعددة ، أفاد فيها البلاد كثيراً ، وقد جمع رباط الزواج المقدس بينه وبين الإعلامية والدبلوماسية السفيرة مها فريجون ، وقد رزقهما الله إبناً واحداً هو أحمد ، وإبنتين إثنتين هما عزة وسارة – حفظهم الله – وقد عمل دبلوماسياً في محطات خارجية عديدة ، منها واشنطن وبكين والرياض والقاهرة ونيروبي ، وحمل إسم السودان سفيراً لدى المملكة المتحدة “بريطانيا” وأيرلندا ، إضافة إلى أنه كان وكيلاً لوزارة الخارجية السودانية ، وكانت تلك في تقديري هي الفترة التي قربت بينه وبين أهل الصحافة والإعلام في السودان .
أما في الجانب الشعري والإبداعي فقد تداول محبو الشعر والأدب قصيدته التي أنشأها وقالها في وصف وزيرة الخارجية الموريتانية السابقة “الناها بنت مكناس” والتي نحسب أنها قد خلدتها في وجدان أهلها في موريتانيا و وجدان أهله في السودان ، وفي وجدان كل محب للشعر الرقيق ، وكأنما كان يرحب بالوزيرة الموريتانية بإسم كل أهل السودان وهو يقول :
حيي الميامين من شنقيط والناها …
قم حيها بحبور حين تلقاها …
وأحضن بها عبق التاريخ تحمله
من أرض شنقيط فياضا ومواها ..
وأنثر لها الورد في الخرطوم إن لها ربعاً وأهلاً هنا تاقوا للقياها .
رحم الله السفير والشاعر الكبير والدبلوماسي المتميز الذي حمل راية السودان عالية خفاقة وطاف بها في كل الإتجاهات ، سفيرنا عبدالله الأزرق الذي قل ان يجود الزمان بمثله .
*Email :sagraljidyan@gmail.com*