لم يعد الاقتصاد السوداني يمر بأزمة عابرة يمكن تجاوزها ببعض الإجراءات الإسعافية، بل دخل مرحلة أكثر خطورة: مرحلة أصبح فيها المواطن هو الحلقة الأضعف، وهو الذي يدفع يومياً ثمن انهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتراجع الإنتاج، واتساع رقعة الفقر.
المفارقة أن الحديث الرسمي عن الاقتصاد كثيراً ما ينشغل بسعر الصرف والتضخم والسياسات النقدية، وكأن الأزمة مجرد أرقام على شاشات المصارف. لكن خلف كل رقم أسرة خفّضت وجباتها، وموظف لم يعد راتبه يكفي أياماً، ومريض يبحث عن دواء لا يستطيع شراءه، وشاب يؤجل مشروع حياته لأن دخله فقد قيمته.
المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار فقط، بل في سقوط القيمة الاقتصادية لدخل المواطن.
الحرب دمّرت ما هو أكبر من المباني والأسواق. لقد أصابت دورة الإنتاج نفسها. مصانع توقفت، ومزارع تعطلت، وطرق تجارية انقطعت، ورؤوس أموال غادرت، ومؤسسات مالية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على أداء دورها الطبيعي.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح الاقتصاد أكثر اعتماداً على الاستيراد في وقت تتراجع فيه القدرة على توفير النقد الأجنبي، لتدور البلاد في حلقة مفرغة يدفع المواطن ثمنها من قوته اليومي.
لكن المواطن لا يحتاج إلى قراءة التقارير الاقتصادية كي يشعر بالأزمة؛ يكفي أن يدخل السوق مرة واحدة.
كل ارتفاع في سعر الصرف يتحول سريعاً إلى ارتفاع في أسعار الغذاء والدواء والنقل والخدمات. ومع تراجع القوة الشرائية، يصبح الراتب مجرد رقم على ورقة لا يعكس القيمة الحقيقية للعمل الذي يقدمه صاحبه.
والأخطر أن استمرار اقتصاد الحرب يخلق مصالح جديدة مرتبطة بالفوضى: تجارة غير رسمية، تهريب، مضاربات، واتساع للسوق الموازي. وكلما طال أمد الأزمة، أصبح الخروج منها أكثر كلفة وتعقيداً.
لكن السؤال الذي يجب ألا يتم تجاوزه هو: إلى متى سيظل المواطن مطالباً بالصبر بينما لا يرى نهاية واضحة لهذا الصبر؟
لا يمكن بناء اقتصاد على مرتبات لا تواكب الأسعار، ولا يمكن مطالبة المواطن بتحمل التضخم بينما تتآكل قدرته الشرائية شهراً بعد آخر. كما لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي من دون معالجة جذور المشكلة: الحرب، وانهيار الإنتاج، وضعف المؤسسات، وتشوه سوق النقد الأجنبي.
السودان لا تنقصه الموارد. تنقصه القدرة على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.
بلد يمتلك إمكانات زراعية وثروة حيوانية وموارد معدنية وموقعاً جغرافياً مهماً، لا يفترض أن يكون اقتصاده رهينة لتقلبات سوق النقد الأجنبي.
المطلوب ليس المزيد من الخطابات الاقتصادية، وإنما قرار اقتصادي واضح: إعادة الإنتاج إلى مقدمة الأولويات، حماية المنتج المحلي، إصلاح النظام المصرفي، ضبط الأسواق، محاربة التهريب والفساد، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
والأهم من ذلك كله، أن تكون هناك رؤية اقتصادية لما بعد الحرب، لا أن يبدأ التفكير في إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب فقط. فالاقتصاد جزء من معركة السلام نفسها؛ وكل مصنع يعود إلى العمل، وكل مزرعة تنتج، وكل وظيفة تُخلق، هي خطوة في اتجاه استقرار البلاد.
السودان لا يحتاج إلى اقتصاد يعيش على المسكنات. يحتاج إلى اقتصاد يستطيع الوقوف على قدميه.
أما الاستمرار في إدارة الانهيار بدلاً من معالجة أسبابه، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: اقتصاد أكثر هشاشة، ومجتمع أكثر فقراً، وفجوة أكبر بين من يملكون ومن لا يملكون.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الاقتصاد بعدد البيانات التي تصدرها المؤسسات، وإنما بقدرة المواطن على شراء غذائه، وعلاج أسرته، وتعليم أبنائه، والتخطيط للغد دون أن يستيقظ كل صباح ليكتشف أن دخله فقد جزءاً جديداً من قيمته.
فالسؤال الحقيقي لم يعد: ماذا حدث للاقتصاد السوداني؟ بل: من سيدفع ثمن انهياره إذا لم تتغير طريقة إدارته؟