تتحسس الخرطوم كثيرا تجاه أي تحرك من كمبالا نحو قضاياها الداخلية …وهذا التحسس مرده الي عداء قديم ظل موسفيني يضمره في نفسه وينفذه فعلا كلما سنحت له فرصه للتدخل المباشر لما يجري في الخرطوم،فمنذ مجئ ثورة الانقاذ الوطني في 89 ناصبت يوغندا السودان العداء ،خاصة بعد كشف الانقاذيون لهويتهم الاسلامية،حينها فقط سعت كمبالا لمواجهة أي تحرك لحكومة البشير ،حيث فتحت اراضيها لتدريب وتسليح وتقوية شوكة التمرد انذاك بقيادة الراحل جون قرنق ،واستمر التوتر بين الدولتين، ووصل حد القطيعة لمدة ثلاث سنوات قبل ان تتدخل دول عربية وافريقية لانهاءه في العام 95 عبر اتفاقية سلام تم بموجبها عدم احتواء المعارضة السودانية من قبل كمبالا وعدم دعم جيش الرب في الحدود الجنوبية قبل انفصال الجنوب من قبل الخرطوم…
فالانقاذ في علاقتها بحكومة موسفيني لم تنسي ان الأخير قد سعي الي اسقاطها عسكرياً عبر عملية الامطار الغزيرة في 95 وكذلك عملية الثعلب الاسود….وبناء علي ما جري تاريخيا ظل البلدان يخفيان نوياهم الحقيقة في علاقتهم الدبلوماسية ،وان كان كمبالا احياناً تحن الي عدائها المكتوم.
وظلت العلاقات السودانية اليوغندية، تراوح مكانها، أو بالأحرى لم تزل في مرحلة التوتر، وذلك بسبب دعم الأخيرة لحركات التمرد السودانية، واحتضانها لنشاطاتها المعادية للدولة السودانية، من لدن بدايات التمرد في منتصف خمسينات القرن الماضي، وحتي نشوء الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة الراحل جون قرنق ، مرورا بحركات التحرر السودانية الموازية لحركة قرنق في المطالب والحقوق، انتهاءً بالحركات الدارفورية والحركة الشعبية، قطاع الشمال، بعد انفصال جنوب السودان وصيرورته دولة كاملة الدسم معترف بها في مضابط الأمم المتحدة.
فما تلعبه يوغندا من دور محوري، في سلسلة التكالب علي السودان، وما تمثله من حلقة تآمرية مقصودة في إطار محاربة السودان بجيرانه، ضمن سياسة الغرب تجاه البلاد، تجعل موسفيني يتراجع من اي التزام او تعهد تجاه الخرطوم، لأنه يأتي ضد “نواميس” المصلحة والصراع الأزلي والأبدي، من دول العالم الأول ضد دول العالم النامي أو الثالث، وأن هذه الأقوال هي للمجاملة السياسية ليس إلا، وأن كمبالا ستظل علي الدوام تشكل السند للحركات المسلحة السودانية لتكتمل حلقات الصراع التآمري ضد السودان.
وشكل العام 2013م علامة فارقة في العلاقة بين موسيفيني الذي ظل يقدم تعهداته للبشير، وفي قلبه شئ من حتي، فقد استضافت كمبالا مؤتمرا لقوي المعارضة السودانية تحت مسمي ميثاق الفجر الجديد…انطوت تحت جلبابه كل القوي السودانية مدنية ومسلحة هدفها اسقاط نظام الخرطوم ، فقامت حينها الدنيا ولم تقعد ،حيث توعد البشير الموقعين عليه بالسجن والملاحقة بالانتربول….
وظل الحال هكذا أخذا دون عطاء في علاقة البلدين رغم تغيير الحكومة في الخرطوم في ديسمبر 2019م وما اعقبها من حرب ضروس في ابريل 2023م،لعبت يوغندا فيها دورا محورياً عبر ايواءها واستقبالها لقادة المليشيا المتنكهه لارض السودان.
تغير حكام الخرطوم وكذلك تغيرت ملامحها ..لكن ما زالت كمبالا في عدائها القديم.