وجه النهار
في شرق النيل وأثناء أوقات الدوام الدراسي استوقفني منظر عدد من التلاميذ وهم يتجولون بالشارع العام بلا هدى. استوقفت اثنان منهم سألتهما إلى أي مدرسة ينتميان، أبلغني أحدهما أنه يدرس بالصف الثالث بمدرسة خالد بن الوليد. فسألتهما عن أسباب تسربهم من الدراسة وخروجهم أثناء ساعات الدوام الرسمي؟ وهنا دهشت جدًا للإجابة فاجأني حينما قال لي إن إدارة المدرسة قامت بطردهم لأنهم لم يتمكنوا من سداد الرسوم الدراسية المفروضة عليهم.
سألته عن أسباب عدم دفعهم الرسوم، أجابني أحدهما بأنه وأسرته لا يملكون ثمن (وجبة) وقال لي(هو نحن فطرنا عشان ندفع الرسوم)؟!
دارت الدنيا برأسي وسألت الآخر، وأنت لماذا لم تدفع؟ أجابني بأن والده منذ أن اعتقلته ميليشيا الدعم السريع وقامت بتعذيبه أصبح لا يقوى على العمل وأصبح منذويًا، وهذا أخطر ما خلفته الميليشيا بالسكان. وأجابني بأن والدته أصبحت تعمل كبائعة (فريشة)، وإنه بالكاد توفر ثمن وجبة، وأن وضعهم المادي مأزوم جدًا، وإنه عزم على الجلوس للامتحان رغم عدم حصوله على الكتب، ورغم أنه يذهب للمدرسة ليعود ليتناول وجبته مع أسرته نهاية اليوم، إلا أن إدارة المدرسة رغم ذلك طردته وقررت عدم الاستماع لهم.
كان كل ما قاله ينطبق على منظره تمامًا فهو هزيل يرتدي ملابس قديمة قال إنه استعارها من الذين سبقوه من أبناء الجيران، عندها أشحت بوجهي وذهبت والغم والحزن ملأ قلبي.
السيد وزير التعليم ولاية الخرطوم متى استعبدتم التلاميذ؟؟ ومتى صنعتم منهم أبقارًا حلوب؟؟ ومنذ متى وجهتم المدارس بطرد الراغبين في التعليم من أبناء الفقراء؟؟ ولماذا لا تقومون بمراجعة المدارس والوقوف على أحوال التلاميذ وأسرهم؟؟
الظاهر أن المدارس أصبحت أحد أخطر مصادر الجبايات والخطر يكمن في طرد التلاميذ أثناء اليوم الدراسي واستخدام سياسة (لي) الذراع للأسر الفقيرة بمنع أبنائها الراغبين في التعليم من مواصلة تعليمهم نسبة لعدم تمكنهم من دفع الرسوم المقررة.
ما يحدث من ممارسات سالبة بالمدارس يجد مباركة مكاتب التعليم التي لا تتدخل، وحتى إن تدخلت فكلمتها غير مسموعة لدى إدارات المدارس التي تمارس سياسة (الحلب) و(الشفط) و(الطرد) للتلاميذ المُعسرين.
هذه المدارس التي تقوم بطرد طلابها أصبحت أخطر من الميليشيا لأنها بطردها للتلاميذ تفتح بهم أبواب الشوارع والاتجاه لممارسة الأنشطة الهدامة، وتزج بالتلاميذ في طريق الفاقد التربوي وتقدمهم لقمة سائغة للعصابات وتجار المخدرات حتى يتم استغلالهم في أنشطة الترويج والتعاطي وممارسة النهب واتباع طريق السرقة وغيرها من الأنشطة الهدامة.
رحم الله المدارس!! ففي السابق كانت تحمي التلاميذ وتمنعهم من التسرب وتحبسهم داخل الفصول وتربيهم على الأخلاق، ولكن الآن أصبحت المدارس جزءًا من منظومة الفاقد التربوي بطرد التلاميذ وتركهم يتجولون في الطرقات بلا دليل.
السيد والي الخرطوم هل سمعت؟؟ السيد وزير التعليم الاتحادي للإجراء..