سودانيون

البرهان لن نسمح بتحويل الأمن القومي السوداني إلى «خط ناقل» لصراعات إقليمية

كتب رئيس مجلس السيادة الفريق اول عبدالفتاح البرهان عبر  مجلة Almanac Diplomatique التركية، وهي مجلة سنوية تصدر مرتين في العام، ومهتمة بدراسة العلاقات الدولية والدبلوماسية وآخر عدد كان عن السودان ، و فيه مقال تمهيدي كتبه الرئيس البرهان للمجلة في شتاء 2025م .

العديد دولي:

يواجه السودان اليوم ليس فقط صراعًا داخليًا، بل اختبارًا أوسع يتعلق بسيادة الدولة، وشعور المجتمع بالوحدة، ومستقبل النظام الإقليمي. فالأزمة التي نمر بها لا يمكن قراءتها على أنها مجرد مواجهة بين تشكيلين مسلحين. ومع تضرر سلطة الدولة، وتآكل البنية الأمنية، وتعطل الخدمات العامة، وتعاظم الجدل حول تدخلات الفاعلين الخارجيين، تطورت الأزمة إلى «لحظة تأسيسية» ستشكل المستقبل السياسي للسودان.
وفي هذا الإطار، تتمثل أولويتي الأولى في الحفاظ على وحدة أراضي السودان واستمرارية الدولة. يجب أن تسود إرادة الشعب السوداني على أي منطق ميليشياوي، وعلى شبكات النفوذ المرتبطة بالمصالح الشخصية أو الارتباطات الخارجية. إن المسؤولية التاريخية والدستورية للقوات المسلحة السودانية هي منع فرض الأمر الواقع الذي قد يدفع البلاد نحو التفكك، واستعادة الحد الأدنى من البيئة الأمنية التي تُمكّن من انتقال مدني. ولا يعني ذلك جعل الحرب غاية في حد ذاتها، بل الإقرار بأن أي حل سياسي مستدام لا يمكن بناؤه دون القضاء على واقع «التمرد المسلح» الذي أفرز الحرب من الأساس.

لماذا نقول: الأمن أولًا؟

إن الدعوات إلى وقف إطلاق النار والمفاوضات في السودان مهمة بلا شك. غير أنه في سياق اختُطفت فيه السياسة بقوة السلاح على الأرض، لا تكتسب طاولة التفاوض معناها إلا وفق مبادئ محددة. فمنذ اندلاع الحرب، أبدينا انفتاحًا وحسن نية تجاه المبادرات التفاوضية من أجل منع تفكك السودان ووقف نزيف الدم، ولهذا شاركنا في محادثات جدة. غير أن نجاح أي جهد صادق يتطلب شرطًا أساسيًا: أن تتخلى التشكيلات المسلحة عن أي ادعاء بسيادة موازية لسلطة الدولة الشرعية.

نفس الشروط:

وحتى اليوم، لم تتغير جوهر شروطنا: الانسحاب من المناطق المحتلة، وإخراج الأسلحة الثقيلة من المعادلة، وإنهاء أي مركز قوى منفصل يعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة. فبدون هذه الشروط، لا يمكن لوقف إطلاق النار أن يكون أكثر من هدنة مؤقتة؛ إذ يجمّد الصراع ولا يحله. هدفنا ليس «إدارة» النزاع، بل إعادة السودان إلى مسار الدولة المؤسسية.

فرض حلول خارجية:

قضية التدخلات الخارجية والحسابات الإقليمية
لا يمكن إنكار تأثير شبكات الدعم الخارجي في إطالة أمد الأزمة السودانية وزيادة كلفتها. وموقف السودان واضح: السودان للسودانيين. ولا ينبغي أن يُفرض الحل وفق معادلات خارجية، بل عبر حوار سوداني–سوداني ينطلق من الأولويات الوطنية .

وفي هذا السياق، تعزز تقييمنا بأن بعض الأطراف الخارجية قد دعمت قوات الدعم السريع على مستويات مختلفة، استنادًا إلى الوقائع على الأرض والمعطيات المتوفرة لدينا. وطالما استمر هذا الدعم الخارجي، ستظل اقتصاديات الحرب قائمة، وسيصبح إنهاء الحرب أكثر صعوبة، كما سيتأخر ترميم النسيج الاجتماعي. ولا يمكن السماح بتحويل الأمن القومي السوداني إلى «خط ناقل» لصراعات إقليمية.


  1. الكارثة الإنسانية: الوجه الأثقل للأزمة

يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذه الحرب. فقد نزح الملايين، وتآكلت المدن، وانهارت البنية التحتية، وتوقفت الخدمات الأساسية. وتشير البيانات الدولية إلى أن عدد الأشخاص الذين شُرّدوا قسرًا منذ اندلاع الصراع بلغ عشرات الملايين. وتُظهر هذه الصورة أن السودان لا يمر بأزمة أمنية فحسب، بل بأزمة تنموية وأزمة في قدرة الدولة.

ومن هنا، فإن «الدبلوماسية الإنسانية» ليست شعارًا بالنسبة لنا، بل ضرورة ملحة: لضمان وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة الخدمات الصحية، وحماية النازحين، وإعادة تشغيل أنظمة التعليم والغذاء. كما تلعب المبادرات المحلية وشبكات المتطوعين التي تحافظ على صمود المجتمع دورًا حيويًا في هذا المسار، ويُعد الحفاظ على هذه القدرة شرطًا مسبقًا لإعادة إعمار السودان.

الشراكة الاستراتيجية مع تركيا :
أفق ما بعد الحرب كما أكدت خلال لقاءاتي في أنقرة، فإن العلاقات بين تركيا والسودان تاريخية ومتجذرة في روح الأخوّة. إن حرص تركيا على إبقاء قضية السودان حاضرة على الأجندة الدولية، وإظهارها التضامن مع الشعب السوداني، هو موقف تتجلى قيمته بوضوح أكبر في الأوقات العصيبة.

إن المرحلة المقبلة لا تقتصر على وقف القتال فحسب، بل تمثل مرحلة إعادة إعمار السودان. وستشمل هذه العملية نطاقًا واسعًا من المجالات، من البنية التحتية والطاقة، إلى الزراعة والموانئ، ومن الصحة والتعدين إلى التعليم. وتوفر القدرات المؤسسية التركية، وديناميكية القطاع الخاص، وخبرتها الميدانية، أساسًا مهمًا لشراكة فاعلة في تعافي السودان. ولهذا ندرس اتخاذ خطوات تيسيرية، مثل تحسين نظام التأشيرات لرجال الأعمال، بما يفتح المجال أمام الاستثمار والتجارة.

النظام الإقليمي ومبدأ السيادة:
مثال صوماليلاند
أخيرًا، نلاحظ أن الخطوات التي تقوض مبدأ السيادة ووحدة الأراضي في منطقتنا تُنتج حالة من عدم الاستقرار على المدى الطويل. فالنقاشات التي تبدأ في مكان ما عبر «الاعتراف» قد تتحول إلى سوابق تشجع النزعات الانفصالية في مناطق أخرى. وأعتقد أن مثل هذه التطورات قد لا تؤثر في دولة واحدة فقط، بل في التوازن الإقليمي بأسره.

إن هدف السودان واضح: إعادة ترسيخ السلطة الشرعية للدولة، وضمان حماية المدنيين، والتقدم نحو عملية سياسية شاملة على أسس آمنة. ويُعد التعاون مع الدول الصديقة أمرًا مهمًا في هذا المسار؛ غير أن بوصلة الحل ستظل سيادة السودان والمستقبل المشترك للشعب السوداني.

وفي هذا السياق، آمل أن تشكل هذه المقالة كلمة تمهيدية للعدد الخاص بالعلاقات التركية–السودانية الذي سيُنشر في مجلتنا. وأثق بأن الرؤية المطروحة هنا—والمرتكزة على سيادة السودان، ووحدة أراضيه، والتماسك الاجتماعي، وإعادة الإعمار—ستوفر أرضية فكرية مشتركة للأوساط الأكاديمية وصناع السياسات والممارسين، وتسهم في نقاش بنّاء وحلول مستدامة. وإنني على ثقة راسخة بأن العلاقات التركية–السودانية، المشكّلة بروابط تاريخية واحترام متبادل وتضامن صادق، ستتعزز أكثر في المرحلة المقبلة، وترتقي إلى مستوى متقدم من التعاون الاستراتيجي. وأملي الصادق أن يسهم هذا العدد ليس فقط في إيضاح تعقيدات أزمات اليوم، بل أيضًا في تقديم إسهام متواضع في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدالةً ومشتركًا للسودان والمنطقة الأوسع .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.