ولألوان كلمة/
شاب فقير أتى من قرية بعيدة من بوادي السودان الصابرة جاء ليكمل دراسته الجامعية وليس له من ملتجأ وملاذ إلا رحمة الله صلى يوماً في مسجد حي راقي في ضاحية من ضواحي الخرطوم الندية ، وبعد صلاة العصر دنا من إمام المسجد وقال له هامسا في حياء: لو وجدت عندكم غرفة صغيرة ملحقة بالمسجد فإني أرغب بأن أكون مؤذناً ومسؤولاً عن نظافة المسجد وشرح حالته في بساطة وتعفف، سمح له الإمام بالسكن ومنحه على ذلك أجراً ومن حسن حظه فإن مؤذن المسجد الراتب كان قد سافر في هجرة قاصدة، كان الفتي مطبوعاً على التدين والفطرة السليمة قد أحب المسجد وأحبه فكان يعكف على نظافته وتضميخه بعطر بلدي شفيف كان صواماً قواماً قد أحبه مرتادي المسجد وأهل الحارة لنشاطه وعفافه ودماثة خلقه.
في إحدي الأيام كان صائماً صيام تنفل كانت لا يفوته لا الإثنين ولا الخميس ولا الثلاث البيض وفي صلاة المغرب وذات يوم كان صائما ً قد أفطر على بلحات وماء قراح وقد أثقله توالي وجبة الفول والعدس جلس بعد الفريضة فسمعه أحد الأثرياء وكان جاره في الصف سمعه يقول : اللهم يسر لي في الإثنين القادم لحماً وثريداً وفاكهة ، دعا بها في حياء ورغم صوته المخبوء فقد سمعها الملياردير الذي كان يصلي بجانبه وكان أحد أثرياء الخرطوم وكان تاجراً في أدوات البناء بسوق السجانة الشهير، إستغرب جداً لتواضع الشاب ودعوته الحارة لوجبة متاحه لأغلب ومعارف التاجر الكبير وفي يوم الإثنين القادم في ساعة الإفطار وبعد الصلاة مباشرة دخل المسجد أحد عمال البناء ومعه آنية لفها بعناية وسأل عن المؤذن الشاب باسمه وقدم له بالضبط ما كان يتمناه لحماً وثريدا وفاكهة أخذ منها الفتى شاكراً ما يكفيه ورد الباقي لصاحب الهدية وعند خروجه هرول صوبه الثري الشهير وقال له: هل تعرف هذا الفتي فأجاب بلا فسأله مرة أخرى وما كان يدريك بأنه كان يدعو ربه طعاما من لحم وثريد وفاكهة.
صمت العامل وألح عليه الرجل واستحلفه بأن يجيب فقال العامل في إستحياء ورأسه إلى الأرض كنت أكدح طول يوم الأحد بتوفير لقمة لأسرتي وحاجتهم من الطعام وبعض تكاليف الحياة دفلت إلى السوق فاشتريت لحمة وأرغفة وفاكهة ، ونمت تلك الليلة بعد صلاة العشاء وأنا راضي البال بأني قد وفرت أكثر من وجبة لأسرتي الصغيرة مما يشتهون ولكن كانت فرحتي عظيمة إذ رأيت المصطفي صلى الله عليه وسلم في منامي ذاك في رؤية وضية يقول لي بصوت مترع بالبركة وبأمر لا يتجاوز الرجاء : إذهب يا فلان بهذا الطعام إلى الفتى فلان طالب العلم المؤذن بالمسجد وإن بقية طعامه ستكفيك بركته أبد الدهر وإني لأضمن لك الجنة سائلاً ربي بذلك ولن يردني إن فعلت.
إستيقظت من نومي وأنا أكبر وقد فاضت دموعي فحملت الطعام من ساعتي لذلك الفتي وقد دعى لي فرحا ً بهذا الصنيع المبارك فإذا بالرجل الثري يطلب في إلحاح من العامل بأن يمنحه بقية هذا الطعام وأصبح يفاصل ويمني هذا الفقير حتى أوصله مئة مليون جنيه ( بالقديم) تكفيه بقية حياته فأبى عامل البناء الفقير وقال بصوت حاسم وراضي : والله لأن منحتني أموال الدنيا لن أمنحك بقية هذا الطعام المبارك فقد كفاني المصطفى به الستر والرزق وضمن لي الجنة.
وبعدها أصبح التاجر أحد (حيران) وتلاميذ هذا الفتي المؤذن وطالب العلم وزادت بينهم الصلة والصداقة والأخوة في الله وزوجه إبنته وكان يقول للناس إن الصالحين ليسوا في المقامات المنظورة والمشاهدات والأضرحة والقباب والتصوف المتسربل بالدنيا .
إعلموا سادتي بأن الصلاح في هؤلاء الأتقياء الأخفياء مؤذن فقير في مسجد قصِي وعامل بناء ومعلم صبيان وتربالي كادح وممرضة عفيفة تداوي الجرحى وتربت بيدها الحانية على جراح المعذبين في الأرض وجندي مجاهد أنفاسه في الزناد وقلبه متعلق بالوطن والجنة.
عزيزي وزير الإرشاد والأوقاف كون لك لجنة واختار فيها الأخيارالأطهار ودعهم يتسللون خفية في المدينة والمناحي والبوداي البعيدة فاكتشاف أمثال هؤلاء تدلي البركة وتجلب المعارف والفتوحات وما أحوجنا في هذا الزمان لرهبان الليل وفرسان النهار وصدق الخالق العظيم الذي طالب الأمة جمعاء أن تكتشف هؤلاء وتصادقهم وتصطبر على بساطتهم وزهدهم،
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}
نعم فإن في هؤلاء الأطهار الكثير من شمائل سيدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مقامه يرددون أشجان المتوحد ونشيد العارفين فإن تمثلوا أبيات أميرالشعراء وهو يمدح أميرالأنبياء تداعوا فكأنما ما الأرواح عطر وكأنما الأجساد شموع
سنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ
مـا أوتِـيَ الـقُـوّادُ وَالـزُعَماءُ
فَـإِذا سَـخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَفَـعَـلـتَ مـا لا تَـفعَلُ الأَنواءُ
وَإِذا عَـفَـوتَ فَـقـادِراً وَمُـقَدَّراً
لا يَـسـتَـهـيـنُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِــمـتَ فَـأَنـتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَـذانِ فـي الـدُنيا هُما الرُحَماءُ
وَإِذا غَـضِـبـتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ
فـي الـحَـقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ
وَإِذا رَضـيـتَ فَـذاكَ في مَرضاتِهِ
وَرِضـى الـكَـثـيـرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ
وَإِذا خَـطَـبـتَ فَـلِـلمَنابِرِ هِزَّةٌ
تَـعـرو الـنَـدِيَّ وَلِـلقُلوبِ بُكاءُ
وَإِذا قَـضَـيـتَ فَـلا اِرتِيابَ كَأَنَّما
جـاءَ الـخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ
وَإِذا حَـمَـيـتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو
أَنَّ الـقَـيـاصِـرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ
وَإِذا أَجَـرتَ فَـأَنـتَ بَـيتُ اللَهِ لَم
يَـدخُـل عَـلَـيهِ المُستَجيرَ عَداءُ
وَإِذا مَـلَـكـتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها
وَلَـوَ اَنَّ مـا مَـلَكَت يَداكَ الشاءُ
وَإِذا بَـنَـيـتَ فَـخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً
وَإِذا اِبـتَـنَـيـتَ فَـدونَـكَ الآباءُ
وَإِذا صَـحِـبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّماً
فـي بُـردِكَ الأَصـحابُ وَالخُلَطاءُ
وَإِذا أَخَـذتَ الـعَـهـدَ أَو أَعطَيتَهُ
فَـجَـمـيـعُ عَـهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ
وَإِذا مَـشَـيـتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ
وَإِذا جَـرَيـتَ فَـإِنَّـكَ الـنَـكباءُ
وَتَـمُـدُّ حِـلـمَـكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً
حَـتّـى يَـضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ