سودانيون

عزمي عبد الرازق يكتب: فيلم رعب مع د. سليمى إسحق.. ماذا نفعل للضحايا والناجيات؟

عزمي عبد الرازق يكتب: فيلم رعب مع د. سليمى إسحق.. ماذا نفعل للضحايا والناجيات؟

لم يكن اللقاء التنويري مع وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية، دكتورة سليمى إسحق، لقاءً عادياً يمكن المرور عليه بخفة خبر أو برودة تقرير، كان أقرب إلى فيلم رعب واقعي، بلا مؤثرات، بلا موسيقى، فقط شهادات دامغة ووقائع موجعة، تتدفق بصوت هادئ، أحياناً على لسان أطباء، وأحياناً من أفواه المعنيين بقضايا النساء والأطفال، لكن ثقلها كان كافياً ليترك ندوباً بالقلوب.

في مقر جمعية إسناد لدعم المتضررين بالحروب والكوارث بالقاهرة، أُتيحت لنا فرصة نادرة للاستماع مباشرة إلى الوزيرة المعنية بأحد أخطر الملفات وأكثرها حساسية في هذه الحرب، ملف الانتهاكات الجسيمة التي تعرّضت لها النساء في السودان، وهو ملف ظل طويلاً في خانة “المسكوت عنه”، لا لقلّة الجرائم، بل لفرطها، ولا لغياب الضحايا، بل لثقل الوصمة، وقسوة المجتمع، وخذلان العالم، العالم الذي يتلاعب بها ترامب المجنون، والمليشيا التي لم تجد من يوقف توحشها.

بدأت د. سليمى حديثها من لحظة كاشفة، احتلال مليشيا الدعم السريع لمستشفى الدايات في أول أيام الحرب. لم يكن المستشفى هدفاً عسكرياً، بل رمزاً للحياة، للأمومة، للولادة، لصرخات الطفولة، كان تدنيسه إعلاناً مبكراً بأن هذه الحرب سوف تزحف على أجساد النساء، وأن استهدافهن مقصود وممنهج، ليس من قوة عسكرية ترتدي زي الدعم السريع، وإنما هى قوات دقلو نفسها.

تحدثت عن أجنة ماتوا قبل أن يولدوا، وأطفال ماتوا لأن أمهاتهم حُوصِرن، ونساء لفظن أنفاسهن جوعاً، ومع ذلك، لم تُقدَّم النساء فقط كضحايا، بل كقوة صمود نادرة، نساء قاومن، وصمدن، وصنعن السلام المجتمعي، وحتى في دور الإيواء كنّ المبادرَات، يبتسمن رغم الفقد، يصنعن الحياة، ويواجهن الخراب بإيجابية مُدهشة.

وأشارت الوزيرة إلى أن وزارتها وجدت تعاوناً مباشراً مع القوات المسلحة، ما مكّنها من الوصول إلى نساء بعد تحرير عدد من المناطق. هناك، في البيوت المهدمة وأطراف المدن الخارجة لتوها من قبضة المليشيا، ظهرت حالات إنسانية بالغة التعقيد، نساء لا يتذكرن أسماءهن، ولا يعرفهن أسرهن، وأخريات في حالات نفسية حرجة تتطلب رعاية خاصة.

أما الفصل الأشد قتامة في هذا “الفيلم” ظل هو العنف الجنسي، وليس الاغتصاب. وقد أكدت د. سليمى أن هذا العنف بدأ مبكراً، منذ مايو 2023، في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع، وتحديداً في الديم وبحري. ليس حوادث فردية، بل سلاح حرب ممنهج، لا تمارسه – بحسب توصيفها – أي قوة أخرى بهذه الوحشية، وقد تم أيضاً منع الأطباء من الوصول إلى البروتوكولات العلاجية، دون أي اعتبار لانتقال الأمراض أو سلامة الضحايا. ولهذا تفضّل الوزيرة استخدام توصيف “العنف الجنسي” بدلاً عن “الاغتصاب”، لأنه أدق لجريمة مكتملة الأركان، تتجاوز الفعل الجسدي إلى الإذلال، الترويع، وكسر الإنسان نفسياً واجتماعياً.

وفي مجتمع متماسك ومحافظ مثل السودان، يصبح الحديث عن هذه الجرائم محفوفاً بالصمت، لذلك لا تعكس الأرقام المعلنة الحجم الحقيقي للمأساة. ومع ذلك، فإن ما تم رصده – رغم تواضعه – صادم بذاته، وقد تحدث أحد الأطباء عن خمسة آلاف حالة وصلن إليهم، في ظروف صحية بالغة.

تشير البيانات الرسمية إلى تسجيل 1844 امرأة ناجية قبل سقوط الفاشر، إضافة إلى 30 حالة من الفاشر و20 من بارا بغرب كردفان، وقرابة 1300 ناجية رصدتها تقارير النائب العام وفريقه في معسكرات الدبة وبين الفارين من الفاشر.

وسُجِّلت رسمياً 70 حالة إجهاض فقط، في حين تم توثيق 221 حالة اغتصاب لأطفال دون سن 15 عاماً، بينهم خمسة أطفال بعمر عام واحد، طفل عمر سنة يا إلهي! كما وصل 170 طفلاً إلى طويلة دون أسرهم، في صورة مأساوية لفقدان الروابط والحماية.

تقول الوزيرة بوضوح: ما رصدناه أرقام متواضعة جداً، لأن الخوف، والوصمة، وانهيار منظومات التبليغ، كلها عوامل تُبقي الجرائم في الظل، ولم يتوقف العنف عند حدود الاعتداء، بل تجاوزه إلى الإخضاع القسري عبر تصوير الفيديوهات، ليس فقط لإذلال النساء، بل لتوجيه رسالة مهينة للرجال: أنتم لم تحموا أعراضكم.. دوافع هذا العنف تختلف بين دارفور والخرطوم، لكنها في كل الأحوال جريمة لا تبرير لها.

وصفت د. سليمى إسحق إنكار هذه الجرائم بأنه أفظع أنواع الخيانة، خيانة للضحايا، وللأخلاق، وللتاريخ. كما أن المجتمع الدولي لم يبدأ حديثه الجاد عن هذه الجرائم إلا بعد عام كامل من الحرب، رغم التحذيرات المبكرة من استهداف المدنيين، خاصة النساء.

في دارفور، وبعد خروج الجيش من نيالا، انفردت المليشيا بجرائم العنف الجنسي والتطهير العرقي.د، وتحدثت الوزيرة عن اختطاف النساء، وبيع بعضهن في أسواق خارج الحدود، خاصة في إفريقيا الوسطى وتشاد، وعن نساء محتجزات في نيالا، وحالات اختفاء واسعة تتحفظ كثير من الأسر على ذكرها خوفاً وعشماً.

بعض النساء عشن في حالات استرقاق حقيقية، مع حرمان من الطعام والشراب، وإجبار على تعاطي المخدرات، ما يضاعف حاجتهن للعلاج الجسدي والنفسي. وروت واقعة صادمة عن أحد قادة المليشيا بولاية الجزيرة، اسمه فرعون، كان يرتدي ذهب النساء المنهوب، ويثير الرعب في أي مكان يظهر فيه، إلى جانب أن بعض حالات الزواج من أفراد الدعم السريع، حيث قررت بعض الأسر تزويج بناتهم اليهم، فوجئوا بأن الزوج يدخل على ابنتهم هو وأصحابه، في نوع من أنواع الاغتصاب الجماعي.

وتطرقت الوزيرة إلى التكتم الشديد على حالات الحمل الناتج عن العنف الجنسي، حيث تقوم بعض الأمهات بإخفاء الأمر بالكامل. الأطفال الذين يولدون من هذه الجرائم يصبحون هم أيضاً ضحايا، وتتحول قصتهم إلى معضلة أخلاقية وإنسانية مفتوحة، فهناك صعوبة حقيقية في إيجاد أسر لإيوائهم، بل إن بعض الأسر تضغط على فتياتها للتخلص من الجنين تحت عبارات قاسية من نوع “جنى الجنجويد دا ما بيمشي معانا”، وكثير من النساء لا تعرف مغتصبها، أو والد الطفل بعد ذلك، وفيهن فتيات قاصرات.

وأكدت أن تزويج الفتيات تحت لافتة “العلاج” ليس حلاً، كما أنه، وهذه إشارة مهمة، مع انهيار النظام الصحي، تعقّدت أسئلة الحمل والإجهاض دينياً واجتماعياً، وبعض الأطباء يرفضون التعامل مع حالات الاغتصاب والاجهاض حفاظاً على سمعتهم، وهي أسئلة لا تحتمل إجابات سهلة أو شعارات جاهزة.

وختمت د. سليمى إسحق بالتأكيد على أن الوزارة تعمل على إعداد خطة وطنية شاملة للتعامل مع هذه القضايا، لا تقتصر على العلاج، بل تشمل الحماية، وإعادة الدمج، والدعم النفسي، والتمكين الاقتصادي، فالتمكين الاقتصادي – كما شددت – مفتاح أساسي للتعافي، مشاريع إنتاجية، استعادة الموارد، خاصة في دارفور حيث حُرمت النساء عمداً من الأرض والعمل. فالنساء قادرات على الإنتاج، وعلى إعادة بناء ما دمرته الحرب.
كان التحذير الأخير أكثر قسوة: العنف الجنسي يخلّف أمراضاً نفسية وجسدية عميقة، وقد قاد في بعض الحالات إلى الانتحار، كما أن غياب دور رعاية لأطفال الاغتصاب يهدد بتحويلهم – إن تُركوا بلا حماية – إلى وقود جديد لدورات الجريمة والعنف.
لم ينته فيلم الرعب، بطبيعة الحال، لكنني أكتفي بهذه الجزء منه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.