محمد الحسن محمد نور يكتب: ما الذي يحدث في العالم؟.. تفكيك هادئ للنظام الدولي عبر صفقات بلا ضجيج
محمد الحسن محمد نور يكتب: ما الذي يحدث في العالم؟
تفكيك هادئ للنظام الدولي عبر صفقات بلا ضجيج
بعد دمار غزة، وسقوط نظام الأسد، وضرب منشآت نووية داخل إيران، حبس العالم أنفاسه مع حشد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قواته وعتاده، وفرض حصارًا خانقًا على فنزويلا تحت ذريعة حماية الولايات المتحدة من تهريب المخدرات.
لم يطل الانتظار. أعلن ترامب تنفيذ ضربة داخل فنزويلا، ظهر على إثرها الرئيس نيكولاس مادورو مكبلًا ومعصوب العينين. لم يكن المشهد محليًا، ولا عابرًا. اعتقال رئيس دولة في قلب الكاريبي حمل رسالة سياسية تجاوزت حدود فنزويلا، وفتح الباب أمام التكهن بشأن من سيكون الهدف التالي.
بعد ساعات، خرج دونالد ترامب بتصريح مباشر، قال فيه إن الولايات المتحدة ستشارك في اختيار قيادة جديدة لفنزويلا، وذكر اسم زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو بوصفها خيارًا مطروحًا لقيادة مرحلة انتقالية. بهذا التصريح، انتقل الحدث من إجراء أمني معلن بذريعة مكافحة المخدرات إلى ملف سياسي دولي مفتوح.
واشنطن لم تنتظر مسارًا قضائيًا، ولم تُحِل الملف إلى مجلس الأمن، بل انتقلت مباشرة إلى رسم شكل السلطة المقبلة. هذا السلوك وضع الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا في تغيير النظام وإعادة ترتيب الحكم، لا وسيطًا ولا داعمًا من الخلف.
النفط شكّل المحرك الرئيسي لهذه العملية. احتياطي فنزويلا، الأكبر عالميًا، ظل عنصر جذب دائم في الاستراتيجية الأمريكية. الحديث عن تهريب المخدرات لم يتجاوز كونه غطاءً سياسيًا، لم يكن الرئيس ترامب في حاجة حقيقية إليه. هذا ما أكدته لاحقًا تصريحات كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأمريكي السابقة، التي تحدثت بوضوح عن الأهداف الحقيقية للهجوم واعتقال مادورو.
لم يُستكمل سيناريو الإسقاط الكامل. مادورو لم يُقدَّم بوصفه رئيسًا منتهي الصلاحية، ولم تُسلَّم السلطة للمعارضة. ما جرى هو تثبيت وضع انتقالي معلّق: رئيس مقيّد، ومعارضة مرفوعة السقف سياسيًا دون تمكين فعلي، واقتصاد يُفتح جزئيًا عبر النفط بشروط أمريكية.
النفط تحوّل إلى أداة ضبط. واشنطن سمحت بعودة محدودة للصادرات، وربطت التراخيص بسلوك السلطة، وأبقت العقوبات الأساسية قائمة. الدولة استمرت، لكن قدرتها على اتخاذ قرار مستقل تقلصت. هذا الترتيب أعاد فنزويلا إلى النظام الدولي بوظيفة محسوبة، وتُوّج بإعلان عودة الشركات الأمريكية للاستثمار في النفط الفنزويلي، بعد تصريحات سابقة لترامب اتهم فيها فنزويلا بـ”سرقة نفط الولايات المتحدة””.
رد الفعل الروسي والصيني اقتصر على بيانات عامة بلا خطوات عملية. موسكو خفّفت انخراطها في ملفات بعيدة بعد استنزاف الحرب الأوكرانية. بكين حافظت على علاقاتها الاقتصادية دون الدخول في مواجهة سياسية. هذا الغياب العملي عطّل دور مجلس الأمن، وفتح المجال أمام واشنطن لتنفيذ مخططها خارج أي مظلة دولية فاعلة.
هذا المسار لم يكن معزولًا. ما جرى في فنزويلا بدا امتدادًا لترتيبات سابقة، أبرزها ما حدث في سوريا، حيث سقط نظام الأسد بصورة مفاجئة، وصعد أحمد الجولاني بعد تغيير اسمه إلى أحمد الشرع، وانتقاله من خانة “الإرهاب” إلى واجهة الحكم. العقوبات الأمريكية رُفعت على الهواء مباشرة، دون إجراءات مؤسسية، وفي ظل انسحاب روسي هادئ من سوريا أنهى دورها السابق.
القطبية العالمية عكست هذا التحول. الولايات المتحدة احتفظت بدور التنظيم والإدارة. أوروبا وحلف الناتو غابا عن المشهد. الصين واصلت التوسع الاقتصادي دون صدام مباشر. روسيا استخدمت نفوذها كأداة تعطيل أكثر من كونها قوة قيادة. هذا التوزيع أنتج نظامًا مرنًا، قابلًا للتعديل دون إعلان رسمي لنهاية النظام السابق. في الملف الإيراني، استمرت العقوبات، وتواصلت المفاوضات غير المباشرة، وتراجعت المواجهة العسكرية المباشرة.
الربط بين ما جرى في الكاريبي، وإيران، واليمن، وأرض الصومال ظهر عبر الجغرافيا. الكاريبي يمثل مجالًا حيويًا للطاقة الأمريكية. باب المندب ظل تحت ضغط أمني مستمر. مضيق هرمز بقي ساحة ردع متبادل. أرض الصومال دخلت الحسابات الإسرائيلية باعتبارها نقطة إشراف على البحر الأحمر وتأمينًا لمسارات التجارة.
ما تكشّف خلال هذه المرحلة أن القوى الكبرى فضّلت الصفقات على الصدام. الترتيبات جرت على حساب شعوب ودول فقدت قدرتها على فرض شروطها. هذه الدول أُبقيت داخل النظام الدولي بوظائف محددة. الصفقات نُفذت دون إعلان، والتغيير جرى بهدوء، لكن بوتيرة متسارعة.
4 يناير 2026م