سودانيون

حسين خوجلي  يكتب…حتى لا يبكي أحد

 

ولألوان كلمة

 

قصة قصيرة أو قصيدة حرة

حتى لا يبكي أحد مرة أخرى

 

كان فظاً غليظ القلب فانفض من حوله الأصحاب والأقارب، بل انفضت منه نفسه التي بين جنبيه

وكان آخر الضحايا طلاقه المُدوي لزوجته الصابرة التي ما كانت تشبهه وما كان يستحقها ولكنها المشيئة المقادير. لملمت المسكينة ما تبقى من جمالها المدفون في الأحزان وحقيبة قديمة ناصلت اللون جمعت فيها ثيابها وثياب أطفالها الثلاثة إبنة وولدين.

خرجت ولم تنل منه حتى قيمة المشوارالذي قطعته إلى بيت والدها الفقير في ذلك النهار الغائظ مشياً على الأقدام. إستقبلها والدها بتحنان السُمرالطيبين واحتضنتها أمها بعاطفة الدنيا كلها رغم ضيق ذات اليد وضآلة الرزق وانسداد سُبُل كسب العيش على الوالد المريض والأم المصابة بداء السكرى من قديم، ولكن يبقى السر في الأخوال وللسودانيين معانى ودودة في سجايا الأخوال أمثالاً وأغنيات( الجنا خال) وينشدون في الأفراح والأتراح مقاطع العمرابي الخالدة

قلبي المن الوساوس خالي

اليوم إنشغل (يا خالي)

لو كان في اللحد إدخالي

أحلي من العذاب يا خالي

لا تقول ضعت من إهمالي

أنا عامل الحزِم راس مالي

بس أيامي ما باسمالي

المزيد من المشاركات

همومي الزايدة متقاسمالي

 

وجاء الأخوال أخوان الوالدة ( شيالين التقيلة وقشاشين الدموع ومدرجين العاطلة) وجففوا دموع الطليقة وضموا الأطفال في رفق واقتسموا معهم اللقمه والكساء والإبتسامة. لم يسأل عنهم ذلك الظلوم ولم يسألوا عنه على طريقة المعاملة بالمثل وللسودانيين إرث عظيم في الأنفة والكبرياء، لم يزرهم مرة واحدة في حياته ولم يسأل عن معاشهم ولا تعليمهم ولا عن صحتهم ولا عن مصايب الدنيا حين تحيط بالصغار وهم يفتقدون وصايا الأب وأبوته وحضوره الذي يرونه طبعاً حتى في الحيوان .

تخرجت البنت الكبرى وصارات مهندسة معمارية يُشار لها بالبنان وصار أحد الأبناء طبيباً في المهاجرأما الثالث فقد أصبح محاضراً بإحدي الجامعات المرموقة. ودرات الأيام والمعمارية النشطة كانت منهمكة في تخطيط بناية جديدة في قلب المدينة دخلت عليها السكرترة وقالت لها بصوت خفيض: بالخارج رجل مُسن يسأل عنك بإلحاح ويرغب في المقابلة، أكملت رسم بعض المخطط واتصلت على السكرتيرة لإدخال الرجل الملحاح ، دلف للمكتب الفاره المكيف ، فبادرته المهندسة بترحاب عُرفت به تفضل يا عم ، جلس وكان يحمل على ظهره كل أثقال الدنيا ومصائبها وأحزانها وعلى وجهه كل تراكمات البؤس القديم وقد ذهب عنه بريق الصِبا وتنزلت عليه كل آثامه الماضية فبدا كأنه أكمل قرناً من الزمان مع أنه كان في منتصف الستينات ،رفع رأسه في ضعف وحياء وحدق فيها بِشغف أأنت أميرة؟

قالت : نعم

قال: ألم تعرفي هذا الوجه؟

قالت : لا

قال: أنا تاج السرالطيب المهل

قالت له وقد تمزق صوتها بالتردد ما بين العقل واللسان: أنا لم أسمع بهذا الإسم إلا اليوم.

فقال وقد طفرت أعينه بالدموع السواجم : أنا والدك يا أميرة

صمتت لبرهة ومرت عليها لحظات عصية كأنها دهر كامل من الحيرة وقالت بصوت حازم مليئ بكل ما في قلوب البشر من إنفعالات متناقضة: أنا ليس لي أبٌ بهذا الإسم، إن أبي قد مات منذ زمان بعيد إسماً وروحاً وجسداً، وأدارت ظهرها لتكمل المخطط غيرمبالية كأنها كانت تنتظر طويلاً مثل هذه اللحظة.

بقي طويلاً وهو يحدق فيها كأنه يترع عقله وقلبه الظامئ ومشارعه الجريحة في صورة إبنته وهي طفلة تحبو حتى صارت صبية تنير الدنيا وتملأ القلب والعين، وحين لم تلتفت إليه ثانية خرج في هدوء وأغلق وراءه الباب ، فلما استيقنت أنه قد انصرف دخلت في نوبة من البكاء المرّالطويل، وجلس هو يحاول أن يتماسك وسقط في أقرب مقعد في مكتب السكرتيرة وراح هو أيضاً في نوبة من البكاء المتصل بأنين حاول إخفاءه لكنه فشل ولم يستطع .

منحته السكرتيرة كوباً من الماء البارد وهي لا تدري فصول المسرحية التراجيدية ، أفرغ في جوفه كوب الماء البارد كأنه يطفئ بها صحارى نفسه العارية من شجيرات العاطفة أمسكت يده في رفق وخافت تعثره وسقوطه بالممشى العريض وقادته إلى الشارع وابتلعه الزحام الذي ابتلع قبله الملايين .

 

حاشية:

 

عزيزي القارئ لم تكتمل عندي القصة بعد لأنني لم أقابل تاج السر ولا أميرة ولم يعاودنا الراوى من جديد، لكنني أقابل في كل يوم حزمة من الأحزان في هذه البيوتات الطينية الوادعة أحزاناً تفوق أحزان الوطن والمسافة والرحيل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.