سودانيون

الاستقلال،، الاختبار الجديد، واستلهام العبر..

يستعيد السودانيون اليوم ذكراه السبعين،،

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

يستعيد السودانيون في هذه الأيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد، مستلهمين الدروس والعبر التي خلّدها الرعيل الأول من قادة الحركة الوطنية، الذين توحدوا وتناسوا خلافاتهم السياسية والجهوية، وتواثقوا على انتزاع استقلال البلاد من قبضة المستعمر، ففي التاسع عشر من ديسمبر من العام 1955م، تقدم نائب دائرة البقارة بنيالا بجنوب دارفور، عبد الرحمن دبكة، بمقترح إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان، قبل أن يقوم الشيخ مشاور جمعة سهل، نائب دائرة دار حامد غرب بشمال كردفان، بتثنية المقترح، في لحظة وطنية فارقة جسّدت وحدة الإرادة السياسية، وأرست الأساس لقيام الدولة السودانية المستقلة.

الرعيل الأول تجاوز الانتماءات الحزبية والجهوية، ووضع الاستقلال فوق كل الاعتبارات..

قيمة الريادة السودانية:

والواقع أن استقلال السودان في الأول من يناير 1956م، شكّل تجربة متقدمة ومتفردة في الإقليمين العربي والأفريقي، فقد نال السودان هذا الاستحقاق السياسي عبر توافق وطني عريض داخل المؤسسة التشريعية، بعيداً عن الاحتراب أو المواجهات المسلحة مع المستعمر، في وقت كانت فيه كثير من الدول تخوض حروباً طويلة ومكلفة لنيل حريتها، ووفقاً لمراقبين فإن هذا التوافق لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتاج وعي سياسي عميق لدى الرعيل الأول من القيادات الوطنية، التي أدركت أن وحدة الصف هي الطريق الأقصر والأكثر أماناً لبناء الدولة، وقد جعل هذا النهج السودان في مصاف أوائل الدول العربية والأفريقية التي نالت استقلالها، وأسّس لصورة دولة واعدة تمتلك مقومات الريادة السياسية والديمقراطية في محيطها الإقليمي، فقد تجاوز الآباء المؤسسون الانتماءات الحزبية والجهوية، ووضعوا هدف الاستقلال فوق كل الاعتبارات، في درس بالغ الدلالة لا يزال صالحاً لكل الأزمنة، ومعبّراً عن نضج سياسي نادر في تلك المرحلة التاريخية.

قدم السودان باستقلاله تجربة متقدمة ومتفردة في الإقليمين العربي والأفريقي..

إخفاق النخب اللاحقة:

المزيد من المشاركات

ورغم هذا السبق التاريخي، إلا أن الأجيال اللاحقة من النخب السياسية لم تُحسن استثمار هذه الإشراقات الوطنية، ولا البناء على المعطيات الإيجابية التي وفرها الاستقلال المبكر، فقد غلّبت الخلافات الحزبية، والصراعات الأيديولوجية، والاصطفافات الجهوية، على حساب المشروع الوطني الجامع، فبمرور السنوات تحول الوضع من وهج الاستقلال إلى ظلال الحروب، حيث انتهت هذه الخلافات إلى انقسامات عميقة أهدرت فرص التنمية والاستقرار، وأدخلت البلاد في دوامة من الانقلابات، والحروب الأهلية، والنزاعات المسلحة، ولم تكن حرب الخامس عشر من أبريل 2023م إلا واحدة من نتائج هذا التعاطي السلبي للقوى السياسية، وارتهان بعض مكوناتها لأجندات خارجية، أضعفت الدولة الوطنية، وفتحت الباب واسعاً أمام تمدد الميليشيات وتهديد وحدة البلاد.

الأجيال اللاحقة فشلت في استثمار الإشراقات الوطنية، والبناء على معطياتها الإيجابية..

استلهام الدروس والعبر:

ويشيد الخبير العسكري والاستراتيجي الجنرال دكتور معاوية علي عوض الله بالرعيل الأول من القيادات والنخب الوطنية، التي تواثقت وتوحدت كلمتها وإرادتها لطرد المستعمر الإنجليزي البغيض، فصنعت ملحمة وطنية خالدة تُوّجت بنيل الحرية والاستقلال، وأعرب الجنرال معاوية في إفادته للكرامة عن إحباطه وخيبة أمله وأسفه العميق على الواقع المرير الذي تشهده البلاد بعد مرور سبعين عاماً على استقلالها، مبيناً أن السودان كان من المفترض أن يكون في مقدمة الدول العربية والأفريقية من حيث النهضة والتنمية والممارسة الديمقراطية الرشيدة، ولكن الآمال ضاعت وراء المصالح الشخصية والانتماءات الحزبية والجهوية التي أوردت البلاد مورد الهلاك، وشدد الجنرال على ضرورة استلهام الدروس والعظات التي قدمها الآباء المؤسسون، الذين تجاوزوا خلافاتهم السياسية والجهوية، ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، مؤكداً أن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى استدعاء روح الاستقلال في معركة الكرامة الوطنية الجارية ضد ميليشيا الدعم السريع، وما تمثله من تهديد مباشر لوحدة البلاد وأمنها واستقرارها، مبيناً أن معركة اليوم ليست أقل شأناً من معركة الأمس ضد الاستعمار، بل هي امتداد لها، ومعركة دفاع عن الدولة الوطنية، وسيادة القانون، وحق الشعب السوداني في العيش بسلام وأمان داخل وطن موحد، خالٍ من الميليشيات والسلاح المنفلت، ومن الخونة والمارقين والعملاء والمرجفين.

الجنرال معاوية: معركة اليوم ليست أقل شأناً من معركة الأمس ضد الاستعمار..

خاتمة مهمة:

على كلٍّ.. فإن استحضار تجربة الاستقلال لا ينبغي أن يظل مجرد احتفال رمزي أو استدعاء عاطفي للماضي، بل يجب أن يتحول إلى فعل وعي، ومراجعة شاملة لمسار الدولة السودانية، فقد أثبت الرعيل الأول من الحركة الوطنية أن وحدة الإرادة الوطنية قادرة على صنع المعجزات، بينما أثبتت تجارب العقود اللاحقة أن الانقسام والتشظي لا يورثان سوى الحروب والانهيار، واليوم، وبينما يخوض السودان معركة مصيرية للحفاظ على دولته ووحدته، تبدو الحاجة ملحّة لاستلهام دروس الاستقلال، واستعادة روح التوافق الوطني، وبناء مشروع جامع يعيد الاعتبار لمعنى الدولة، ويضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح الضيقة، حتى تستعيد البلاد مكانتها التي حلم بها الآباء المؤسسون يوم رفعوا راية استقلال السودان، من داخل قبة البرلمان.

* نقلاً عن صحيفة (الكرامة)

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.